‏إظهار الرسائل ذات التسميات علي هامش معطف طبيب. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات علي هامش معطف طبيب. إظهار كافة الرسائل

الاثنين، 20 مايو 2013

نعم دقيقة .. ونقم ميكرسكوبية


اذا اراد الله لعبد خيرا .. رزقه الفهم عنه .. 
الفهم .. أن تري الحكمة تسبح في خلفيات الأحداث .. والعناية تتحكم في خيوط المواقف الحياتية اليومية ..
ان تدرك وتوقن ويتعمق لديك الشعورباصورة العامة والخطة الكبري والحبكة الروائية الدقيقة لمشاهد حياتك البسيطة .. 
المؤمن هو ذاك الذي نبع من ايمانه واتصاله بالقوة المطلقة المدبرة للكون كل افعاله .. بل وترجمته الفورية لحوادث الكون صغيرة وكبيرة .. 
ليس عند الله صغيرا وكبيرا .. إنما هي مقاييسنا نحن .. تمييزات عقولنا المحدودة القاصرة ..

إنما الله لا يعزب عن علمه صغيرا وكبيرا .. الذر والذراري عنده سواء .. لا يحتاج الله ليشحن قواه حتي يخلق جبلاً أو فأرا .. الكل واقع تحت طائلة كن .. فيكون .. 
المؤمن الموقن بتدبير الله للأمر كله .. والشأن بأسره .. وقيوميته علي الحياة بدقائقها الصغيرة .. وقفزاتها الكبيرة .. عنايته الشمولية الحكيمة في الكوارث الكونية .. وفي التعثرات الصغيرة لأرجلنا علي السلالم .. 

هكذا حقيقة الايمان ان تري يد الله تعمل في كل انفاسك .. ومن يومك في كل لحظاته .. 


ولكننا قصرنا في فهمنا عن الله بأنعامه وارزاقه علي النقود وبعض التملكات والمنح (الكبيرة في ادراكنا) .. وعجزعن الاحاطة بمفهوم نقمه إلا عن الكوارث والمصائب والبلاءات (الكبري في اذهاننا نحن)  المغيرة لهارمونيا الحياة العادية ..

والأمر اكثر اتساعا من هذا كثيراً .. 
فنعم الله قد تكون دقيقة .. بسيطة .. حد التغافل عن كونها نعمة .. أو التناسي عن احتسابها من رزق اليوم ..
فكلمة ثناء تحيل ارهاق اليوم طاقة هي نعمة ورزق .. ابتسامة طفل تنسيك همومك ساعة هي نعمة ولطيفة ومنحة وربتة ربانية .. نصيحة حانية توسع افاق نظرتك هي رزق .. طعام تستلذه لا ينغصه عليك قلق او توتر او ترقب او نقص بالملح او زيادته هو رزق علي رزق .. فليس طعامك وحده رزقا وإنما حالة تناوله .. ظروف مضغه .. بل سهولة اخراجه .. وبركة اشباعه كل اولئكم ارزاق فوق رزقه .. كوب الشراب دون شرقة هو رزق بالشراب ورزق بالحفظ ... فآلاف الخلق يموتون يوميا حول العالم من شرقة بلقمة .. 

اشارة تفتح لك سريعا .. حاجة حكومية تنتهي دون عناء هي رزق ايضا .. 


وعلي الجانب الآخر .. فكم نعاقب في يومنا بنقم دقيقة .. ومنغصات ميكرسكوبية تفسد علينا يومنا .. جهاز يتعطل .. سيارة تتخبط وهي واقفة في ركنتها بحيادية .. تعثر بسجادة .. الاشياء تنكسر من حولنا بغرابة ... هي نقم وبلاءات قد لاتري بالعين المجردة تحتاج إلي ميكرسكوب ومجهر البصيرة ليتطلع علي حكمتها الخفية .. ومستقبلات خاصة تري هزات الإفاقة الشفيفة وراء تلكم المواقف التافهة في نظر السطحي . 

فلتفهم عن الله .. ولتتصل به في كل لحظة ..
إن السير إلي الله ليس خطوات لمسجد .. وليست حركات صلاة .. فلا مسافة بينكما لتقطعها .. انما السير سير القلب .. والقلب يسير بفكرة .. بخاطر .. بندم .. برجاء .. 
فكم من مهرول بين الصفا والمروة لم يقترب خطوة .. وكم من مضجع يقطع نحو الله اشوطاً ويسبق في وصوله ملايين السائرين ..

وأول السير الفهم .. 
فلتوسع فهمك المحدود عله يأتي بقبس من الحكمة المطلقة .. 
إنما المحدودية نجس .. وتوسيع الفهم تطهر عنه للدخول إلي حضرة المطلق .. 

فاللهم ارزقنا الفهم عنك .. 

IT IS NOT ABOUT HOW IT APPEARS .. it is all about how u see it 


الأربعاء، 29 فبراير 2012

انتحار 2 ..to meet your (ONE) on check out 2

كنت اتحدث ولا انظر إليها .. اخرجت سيجاره .. واشعلتها وبدأت اسحب دخانها في بطء ..


- علي فكره .. انا اول مرة اعرف ان الانتحار بيموت الفضول .. يعني مسألتنيش انت مين بسلامتك ؟؟ .. واشمعني انت اللي بتكلمني ؟؟ .. ولا تلاقي طاقة فضولك كلها متوجهة نحو ما ينتظرك علي الجانب الاخر من الحياة .. ما بعد الموت ..


تفتكري في ايه الناحية التانية ؟؟!!


- المفروض علي حسب ما سمعت... ان محمد راح يجيبلي واحد متدين ؟؟!!
هكذا كسرت صمتها الاخير .. بتهكم واضح متأملة دخان السيجارة المنبعث مع الاحباط من فمي ..
- مانا متدين .. بس متدين بطريقتي ..
اجبتها ببديهية سريعه ..

- إن الاخراج وظيفة حيوية للبشر .. إن تعطلت فسدت حياتهم .. المخلفات الحيوية تخرج بعدة طرق .. مع النفس .. مع العرق .. عبر مواسير الصرف الحضاري ..
أما الاحباط .. المخلف النفسي الأقذر .. فلم يكن لدي وسيلة لإخراجه سوي عبر سيجارة ..
بس واضح بقي ان انتي تراكمت جواكي المخلفات النفسية دون محطات تفريغ ..
للاسف نفسك لسه مدخلهاش الصرف .. عشان كده آبار نفسيتك طفحت .. يأس ..

كانت تقاوم ابتسامة خافتة تحاول التبرعم علي شفاهها الغضة .. 

- متدين بطريقتك .. انت حتتفلسف ؟؟ .. هو دين واحد .. قالب واحد بتلبسوه .. كلام واحد بترددوه .. حاولت البسه زيكم .. بس مطلعش علي مقاسي .. منفعنيش ... تقدر تقول : حاولت اني ابقي متدينة .. بس الدين نفسه مقبلنيش ..

كانت تتحدث بأسي .. ناظرة إلي السماء المارة في الخلفية علي اطراف اصابع سحابها خشية أن تدفعها للتعجيل بالسقوط .. 
واستطردت .. بعد تنهيدة مغوية .. 
- أنا لو كنت مكان ربنا .. كنت مش حخلق الانسان عشان اعذبه في الدنيا وادعي اني بختبره عشان في النهاية اوديه يا سعادة علي طول يا شقاء علي طول .. حستفيد ايه لما اقضيها تجارب ؟؟ ... 
تأملتني لحظة في صمت متوقعة انزعاج مني .. او ردة فعل انفعالية .. ولكني لم اهتز .. فقط ابتسمت بهدوء ..
كنت اري الامر يجاوز الشبهة الفكرية .. كعادة الملحدين في بلداننا .. ليست منطلقاتهم منطلقات فكرية واشتباه عقائدي او تساؤلات ذهنية بحتة ..
كنت المح وميض الغضب .. اري مثالية وشفافية .. رفض للشر في الكون .. كطفل مملوء بالبراءة لا يحتمل رؤية صغير آخر يبكي ..

كطفل اجبر علي اطفاء التلفاز اعدادا ليوم دراسي بالصباح .. فأخذ يبكي ويتأفف . ويردد لأباه : اكرهك ..

- علي فكرة أنا مش كافرة .. أنا بس معرفتش انفذ الدين .. معرفتش اكون مسلمة زي المفروض ما أكون .. عجزت اني اعمل اللي ربنا طلبه مني .. معرفتش امشي علي القرآن ..

خرجت مني ضحكة عفوية رنانة .. ممزوجة بسؤال استفزازي :
- عارفة انت هنا ليه ؟؟!! .. عشان كده ..
عشان فكرتي ان الدين وصايا .. وشفتي القرآن منهج تنفيذ .. حاولت تحشري نفسك في قالب (الملتزمة بالقياس) .. الصورة المتداولة عن الملتزمة ..
عمرك ما حاولتي تشوف الموضوع بشكل مختلف .. تشوفي القرآن .. كأنه كتالوج كبير للنسخ البشرية .. كتيب التركيب والاستخدام للنفس اللي ربنا حاططهالنا .. البوم كبير .. البوم مقدس نازل من المصنع .. فيه كل النوعيات اللي خرجت واللي حتخرج من المصنع ده .. مواصفات كل واحد .. وازاي بيشتغل ..
لأ .. وكمان طرق صيانته ...
عارفة مشكلتك مع الدين يا مروة .. مش مشكلة في الدين .. ولا في الوجود .. المشكلة انك لخبطتي بين نسختك ونوعيتك اللي في الكتالوج ده .. مع نسخة تانية خالصة ..
فبالتالي هنجتي ..
النسخة بتاعتك مش بتشغل السوفت وير اللي انت حاولتي تنفذيه علي نفسك عافية .. نسختك مش بتدعم الابليكشنز اللي انتقتيها من القرآن ..

الدين ده واسع اوي .. والقرآن ده رحب جدا ... المشكلة اننا مش بناخد من المصدر مباشرة .. وكأننا شايفين اننا اقل من أننا نقطف من الشجرة .. وكأنها مش بتاعتنا .. وكأننا محتاجين اذن حد .. محتاجين حد يفسرلنا .. وحد يشرحلنا .. وحد يوعظنا .. ويخطب فينا .. ويدينا درس .. وكأن الدين منطقة محظور الدخول فيها لغير العاملين ؟؟!!!
وكأننا محتاجين حد يدعونا .. ويربينا .. ويترجملنا الرسالة ..؟؟!!
رغم انه نازل ليكي وليه .. مباشرة من غير وسيط .. من غير شروح وتفسيرات ..
القرآن مش نازل عشان نفسره .. ونشرحه .. لا بالعكس
القرآن نازل عشان هو اللي يفسرنا .. ويشرحنا ,..

كانت عيناها تلمعان ببريق جديد .. يرتفع احيانا حاجباها المصبوبين بعناية واعجاز رباني فوق عينين زرقاوين يشبهان البحر في عمقه .. واغواءه ..  ويشبهان السماء في لا نهائية الغرق نظرا في امتدادها ..

- كلمني اكتر .. عاجبني الحوار  ......
استطاعت ابتسامتها أن تنتصر بالافتراش علي شفتين ورديتين انهكهما الامتعاض ...

- بصي يامروة .. الجنة مش باب واحد .. والعبودية مش نازلة بمقاس واحد .. والدخول علي ربنا مش زي دخول المولات تتفتشي فيه ع الباب .. ومفيش حاجة اسمها مسلم مطابق للمواصفات القياسية كعلب العصائر ..
مشكلتك انك مشيتي وسط الزحمة .. حاولتي تخشي من نفس الباب .. وتلبسي مقاس عبودية مش مقاسك ..
ما أخدتيش القرار الجرئ أنك تلبسي المقاس المناسب .. وتعبدي بطريقتك .. وتشوفي ربنا وحكمته واحكامه بعنيكي انت .. مش بعنين حد .. ونسيتي ان قلبك هو شيخك ومعلمك ودليلك في الحيرة والتوهان .."استفت قلبك .. ولو افتوك"

اخدتي فتاويهم .. وحاكمتي روحك وقلبك بمعاييرهم .. بل وصل بيكي الامر انك في النهاية تقتصي .. بأنك تحاكمي افعال ربنا .. بمعيار افعالنا .. وتوزني حكمته المطلقة في خلقه بميزان المخلوقين العاجز الناقص بعجزهم ونقصهم ولا محدوديتهم ..

كانت تهز رأسها بحنو .. مع همهمات التفهم .. يتطاير شعرها بفعل الهواء المتآمر مع الهوي حول عينيها فترفعه في مؤامرة هوي وهواء  لاسقاطي فيها .. قبل أن تسقط هي من الشرفة ...

يتبع في الادراج التالي .....

الثلاثاء، 28 فبراير 2012

انتحار (1 .. seeing your (ONE) just before death 1


- واقفه علي سور البلكونة في الدور الثامن .. وبتغني .. الحقها بالله عليك .. انت الوحيد اللي ممكن تتعامل معاها 


هكذا اخبرني حبيبها صارخا في الهاتف ..
لم اكن اعرفها من قبل ..
بعد ثلث ساعة وجدتني بجوار باب البلكونة .. والأهل محتشدين بالأعلي .. والمارة محتشدين بالأسفل ... 


كيف بدأ الأمر ..
رن جرس هاتفي بإلحاح غريب من صديق قديم قدم البراءة داخلي ... 
ربما نسيته .. كما نسيت تلك البراءة .. 
وربما هما نسياني .. 


- بص يادكتور دي مسألة حياة او موت .. أنا حب حياتي عاوزه تنتحر ... محدش عارف يقنعها .. محتاجك تكلمها 
في البداية ظننت أن الأمر مجرد هاجس .. وصل إليه .. وبالغ فيه بحبه لها ... 
حتي تأكدت أنه يعني أن ذاك حادث الآن .. 
هي الآن تقف علي سور البلكونة في الدور الثامن بشقتها .. وتهدد الجميع ان فتح احدهما باب الشرفة ... ستعجل بإلقاء ذاتها ..
فقط ينبغي عليهم جميعا أن يصغوا لها ..
بدأت تخاطبهم .. تروي لهم قصصها المتوارية .. تغني احيانا .. تضحك بهستيرية .. وتبكي حينا .. 
تطلب منهم الاتصال بشخص ما .. ثم آخر .. حتي انتهي الأمر إلي حبيبها ..
الذي اتصل بي بدوره حين عجز تماما عن مجرد اقناعها بأن يدخل عليها الشرفة ليتحدثا ..


- اشمعني انا يا محمد .. أنا مش طبيب نفسي  ...
كنت احاول الهرب من تلك المجهولة .. 
كعادة الجميع .. لم يكن مظهر اعضاءها المتناثرة علي الطريق ليترك لي انطباعا جيدا غدا ..؟؟!!!


- عشان انت .. اكتر حد اعرفه خبرة بالألم .. صديق للمعاناة .. انت اكتر حد تقرب من الشياطين .. والتصق بالعبث والفراغ واللاجدوي 
- يا سلام .. ؟؟!!
- ببساطة يا دكتور .. انت اكتر حد اعرفه انتحر قبل كده كتير ...!!!!


وفي دقائق وجدته ينتزعني من المستشفي .. ويذهب بي إلي بيتها ..


اليعون كانت معلقة بي .. المارة حول بيتها .. أهلها .. 
كانت الطريق تفسح بانسيابية غريبة بين اكتظاظ الاجساد حول مشاهدة انهيار انسان ..
شعرت كأني مسيح مخلص .. ساحر منتظر .. 
ذاك الغريب الذي يسحبه حبيبها .. ويمر به سريعا نحوها ..
الكل كان يتمتم بالدعاء .. أو الاستغراب .. أو التساؤل عن ماهيتي .. 
- مين ده ؟؟!! .. معالج روحاني .. ولا منوم مغناطيسي ..
- هو الواحد في حالة زي دي ممكن يتصل بمين ينجده .. لا مطافي ممكن تطفي وجعها .. ولا اسعاف ممكن تداوي جرح الدواخل .. 

هكذا اظنهم كانوا يتمتمون .. 

اخترقت الاجساد .. وعلي مقربة من الشرفة .. افقت ..
- طب انا معرفش اي حاجة عنها .. قوللي اي حاجة عنها .. ايه اللي مخليها عاوزه تموت .. فيه مشكلة في ارتباطكم ..
هكذا سألت حبيبها .. 
ورد الجميع 
- لا يابني .. المشكلة في دماغها .. هي بتفكر كتير .. مكتئبة .. معدومة الأمل .. مش زعلانة من حد معين .. دي زعلانة م الدنيا .. وبعدين عندها وساوس بخصوص ربنا والوجود والخلق وكده ... 

يا الله .. لهذا اذن اختاروني أنا .. 
اصبحت في الفترة الأخيرة ملاذ ذوي الوساوس .. والشكوك .. 
طبيب الملاحدة .. والمدمنين .. 

- طيب استأذنكم مساحة بس كده عشان اعرف اكلمها .. هي اسمها ايه ؟؟
 - مروة .. 
رد احد المشاهدين في مداخلة غير معلومة المصدر ..

اقتربت من الشرفة .. كانت الافكار مزدحمة في عقلي .. 
كانت جميلة كحلم في نهايته .. رائقة البشرة بشكل عجيب .. وكأني رأيت في مرآة وجهها حياتي القديمة ..
عيناها تلمعان بخيط رفيع من الدمع .. ممزوج بنظرة شجن .. لوم للكون .. عتاب للاشيء .. بل لكل شيء ..
علي وجهها كانت ابتسامة مريرة .. ابتسامة التهكم المختلط بالتألم .. 
وكأنها تبتسم في محاولة لتوازن أوجاعها .. حتي لا تسقط الآن ..

شعرت بمجرد النظر في وجهها .. انها لا تهدد .. انها تعني ذاك فعلا ..
هي فقط تنتظر ان تلقي وصاياها الأخيرة .. عتابها المدوي ..
هي تريد ان تترك للكون صفعة عتاب ..

هي كانت اجمل من أن تموت .. لم استطع تصورها ممزقة علي الاسفلت الحضاري القاسي .. 
كانت متزينة كعروس .. غزيرة الشعر .. يفرقه هواء الشرفة الثامنية .. في مشهد سينمائي .. مؤلم ..

- تعرفي يا مروة .. ياما كان نفسي اقابل غريب .. اي حد غريب احكيله عن حاجات مش قادر احكيها .. وبعدين اقتله ... بس كويس انك هنا .. علي حافة الموت .. وكمان معرفكيش .. فممكن قبل ما تنطي .. تسمعي مني حكاياتي اللي مش قادر احكيها لأحبائي .. وبعدين تاخديها معاكي للقبر .. عشان انا تعبت اوي من شيلها ..

هكذا بدأت احدثها .,. لم اناديها .. لم اسلم . لم اقرأ ايه قرآنية .. 
- بعد اذنكم يا جماعة ... ممكن تسيبوني شوية .. مكانكم هنا مش صح .. انتم هنا في المحطة .. مروة حتبقي تحت قبل ما توصلوا الدور السابع .. حد بس ينزل يشيل العربيات من تحت البلكونة .. مش حيبقي موت وخراب ديار ..

ارتفعت همهمات التعجب .. وارتفع سؤال صامت .. (انت جايبلنا مجنون .. ولا واحد يستعجلها .. دي حتنتحر مش حتولد ؟؟) .. رفعت صوتي بهذا السؤال الذي لم يتمكنوا من قوله .. وقرنته بغمزة خافتة وايماءه إلي صديقي .. الذي حمل الجميع للخارج .. 

- جربتي تشربي سجاير ؟؟!! .. اوعي تكوني حتموتي قبل ما تجربيها ؟؟!!
كانت صامته منذ بدأت عباراتي الصادمة .. توقفت عن حكاياها .. عن معاتبتها لكل شيء .. عن ندبها .. عن غنائها ..
وفجأة لمعت عينها دون خيط الدموع ..

اخرجت علبة سجائر مستترة في جيب سترتي .. سجائر الطوارئ كما اسميها .. سجائر الاحباط .. 
فأنا اكتب علي علبة السجائر تاريخ شرائها .. ثم اشرب سيجارة واحدة كلما كنت محبطاً ..
واراها في اخر كل شهر ..
نعم هي مقياس احباطاتي .. وذاك الشهر كنت محبطا بمقدار سيجارتين ..

- دي بسميها سجاير الاحباط .. انا مش مدخن .. بس بشرب سيجارة واحدة كل ما الدنيا تضايقني .. الشهر ده الدنيا مديونالي بسيجارتين .. وادي التالتة .. محبط دلوقتي .. مش منك .. لأ .. من اي حاجة في الكون .. خلت ملاك زيك ... يمشي بدري 

- والله مش بهزر يا مروة .. اوعي تكوني حتموتي من غير ما تجربي .. 
بيقولوا انك كده كده داخله النار .. عشان بيقولوا انك حتموتي كافرة .. فبجملة يعني .. اوعي تكوني حتخشي النار .. وعمرك ما شربت سيجارة .. ولا دقت طعم الفودكا .. ولا بوستي شاب حليوة من بقه ؟؟
اصل يعني دي تبقي بواخه طحن .. انك تخشي النار .. من غير رصيد ..
عارفه ساعتها ابوجهل حيشغلك عنده في النار .. صبي ..

كنت اتحدث ولا انظر إليها .. اخرجت سيجاره .. واشعلتها وبدأت اسحب دخانها في بطء ..

- علي فكره .. انا اول مرة اعرف ان الانتحار بيموت الفضول .. يعني مسألتنيش انت مين بسلامتك ؟؟ .. واشمعني انت اللي بتكلمني ؟؟ .. ولا تلاقي طاقة فضولك كلها متوجهة نحو ما ينتظرك علي الجانب الاخر من الحياة .. ما بعد الموت ..
تفتكري في ايه الناحية التانية ؟؟!! 




....... يتبع في الادراج التالي 



الأحد، 12 فبراير 2012

مشروع بلطجي (الحلقة الأولي)




كان يحمل داخله ثقبا اسود .. فراغ وحشي .. يلتهمه كل يوم أكثر واكثر ..

كانت الفجوة بينه وبين العالم تتسع .. تقتات عليه كل يوم أكثر ..
كانت غربته تزداد كل يوم أكثر ..

جرب كل شيء .. فلم يجدي معه شيء .. حتي الإحباط ذاته لم ينفعه كثيرا ..
 فترك الإحباط وقرر أن يخطو خطوة واحدة كل يوم ..
قرر أن يحلم عنوة .. أن يغرس في نفسه حلما قسرا ... قرر أن يصطنع الحلم ..
وأن يخطو كل يوم خطوة .. بسيطة .. خافتة .. رقيقة .. ربما لا محسوبة ..
قرر ألا يخطو نحو الحلم .. فقط في اتجاه الحلم ..
لا يريد أن يحقق شيئا .. فقط خطوة صغيرة .. أنملة .. حبوة .. تكفيه لليوم ..

ومضت به الخطوات حتي وجد نفسه يوما زائراً لملجأ أيتام ..
ملجأ ليس كتلك الملاجئ المرفهة في المناطق الفارهة .. لبعض سيدات المجتمع اللواتي لا يجدن شيئا افضل يفعلنه ..
إنما هو ملجأ شبه حكومي يتواري في حي فقير يحتاج إلي ملجأ أحياء ..
ملجأ لا يحوي تلك النوعية من الأطفال المستحميين .... الذي يغرقهم الفارغين بهداياهم .. محاولة من نجوم المجتمع أن يسكتو ضمائرهم عن المسئولية .. لعلهم يحظون بنوم أفضل برمي فتات الموائد  ...
ملجأ يحوي مشاريع بلطجية .. نماذج مصغرة لسارقي المستقبل .. ملجأ لا يختلف رواده كثيرا عن اطفال الشوارع ..
ملجأ هو اقرب لإصلاحية .. تحتاج إلي اصلاح ...
دار رعاية تحتاج إلي من يرعاها ..

وفي تلك النوعية من الدور والملاجئ والاصلاحيات .. يتغذي الإجرام .. وينبت الشر.. وتتعملق البلطجة ..
من مشرفين لا يفقهون شيئا عن اصلاح الأطفال .. ومعلمين لا يعلمون شيئا عن تعليم ذوي الصعوبات ..
إلي غياب للأمن .. ومشكلات نفسية وجنسية .. اكبر من أن تحكي ...
 
وجد نفسه مع بعض الشباب .. الذي لا يؤمن بالمفهوم الخيري السائد .. لا يؤمن بالمفهوم الشائع لللعمل التطوعي ..
لا يؤمن بالصدقات التي  تلقي .. إراحة لنقيق الضمائر .. أو اسكاتا لدواعي الشفقة المؤرقة ...
يؤمنون بأنهم يحملون مسئولية ما تجاه المجتمع .. رسالة ما ..
ربما ليسوا اغنياء بما يكفي لينهالوا بالصدقات ..
لكنهم يحملون بعض الوقت .. ليشاركوا الأطفال الزمن ..
يحملون بعض المساحة ليحملوا عنهم بعض الهم ..
يحملون اتساعا داخليا تكفي رحابته .. لتدفئة صقيع وحدتهم ..

ليسوا مسيسين .. لا يفعلونه ليصورهم الإعلامين .. أو ليدعموا حزبا ما بــ(النشاط الخيري) .. أو ليأكلوا بضعة من جنيهات التبرع ..
ليسوا منتمين إلي أيدولوجية فكرية بعينها .. ولا مذهب تصوري محدد ..
بل ربما ليسوا منتمين إلي أنفسهم بما يكفي ليتفقوا علي كل شيء ..
فقط اتفقت ارواحهم علي مد يد العون .. للإنسان ..

يفعلوا الخير .. للخير ..

بل لايريدون نتائج عظمي لذاك الخير .. لايريدون تصنيع اجيالا من العباقرة .. او اكتشاف الموهوبين ..
فقط أن يجيد هؤلاء القراءة والكتابة والوضوء ..
أن يجيد هؤلاء الحب والحلم ...
أن يجد هؤلاء بجوارهم احد ما .. يذكرهم بأنه لا حاجة لهم أن يكرهوا المجتمع ..



وكانت تلك زيارته الأولي ..
  • 45 طفل .. احابته احداهن حينما سأل عن عدد الأأطفال
واستطردت ((ده غير اتنين هربوا ))
طبعا دول يتحولوا إلي اطفال شوارع .. يلجأون إلي الكباري والأأنفاق يستترون بالجدران .. يلتحفون لافتات مرشحي مجالس الشعب .. يتوارون من امين الشرطة .. ومن الطفل الأكبر .. الطفل الأقدم .. الطفل الأقسي في الشارع ..
يتزاوجون .. وتسافحهم الدنيا لتنتج حقدا أكبر .. وقسوة .. وقتل للبراءة والمعني ..

"حسين "
10 سنوات
كان قليل الكلام .. دائم الخجل .. يهرب بعينه .. يبتلع كلماته النابتة كأجوبة علي شفتيه ..
كان مهتزاً للغاية .. نحيلا للغاية تظهر عليه امارات سوء التغذية .. وأمراضا خفية ..

  • مال ايدك يا حسين
  •  طب ثواني كده ...
جري حسين مسرعا نحو المشرف .. لاعلم بعدها انه كان يستاذن ليحدثني عن مشكلة يديه .. فقط كانوا يعلمونهم ألا يستجوبهم احد عن معاناتهم ..
ألا يخبروا احدا اي احد عما يجري بالداخل ..
كانوا يربونهم علي الخوف من المجتمع .. علي تخوين أولئك المارين علي مذابحهم ..
كانوا يخبرونهم -وهي الحقيقة - ضمنا أن أولئك الزائرين لا يعبأون بكم كثيراً .. هم فقط يعباون بأنفسهم .. يريدون ان يريحوا ضمائرهم المتأوهة بالشفقة ..

وجاءني حسين .. ليرفع لي القميص عن يديه ..
ليرفع لي حجب التواري .. عن المأساة .. عن التراجيديا الكونية المستترة ..
الولد .. يداه معاقتين .. متيبستين علي حال واحد .. الكف إلي الأسفل ..
لأقرب لك الصورة .. اتدري حين تقول يارب كيف ترفع يديك بالدعاء .. ذاك الطفل لم يكن يستطيع فعل هذه الحركة..
وكانت تلك الحالة من التيبس في الساعدين .. حالة غريبة علي طبيب ذو دراية جيدة بأمراض العظام ..

وحاولت ان استدرجه للحديث بضع دقائق .. حتي انتهيت إلي الصدمة ..
كانت أعاقة الفتي .. نتيجة لأن أمه كانت دائما تلوي له ذراعيه عقابا .. فينكسر عظمه الهش مرة تلو المرة ..
حتي التحمت عظمتي الساعد عنده ببعضهما ..
والقته أمه إلي الطريق .. معاقا ..
ليدخله احدهم دار الرعاية ..
وكانت اعاقته تشعره بأنه ناقص .. أنه غير مكتمل .. انه يجب ان يتواري ..
كان يهرب بعينه .. ولفظه .. كان دائم الخوف كعصفور مبتل يرتعش في الصقيع ..


يحتاج إلي  الآن بضعة اشاعات .. واربع عمليات ..
وما يكفي من الأغنياء ليتكفلوا له بذلك ..

ربما نتمكن من انتشاله وعلاجه .. وطمأنته .. واحتضانه .. واحتواءه ..

ولكني اكتشفت أن هناك الألاف .. بل ملايين .. ممن يتشكلون في الظلام ..
مشاريع بلطجية .. ومضادي للمجتمع ..
نتحمل نحن مسئولية كبري تجاههم ..
أو علي الأقل مسئولية وقائية لأنفسكم من ذاك الحقد النابت داخلهم عليكم ..

يتبع .. 
26 ديسمبر 2011

الأحد، 9 أكتوبر 2011

أيمن بلا يمني ..


رأيته بعد مضي ما يقرب من العامين .. شاحب بشدة ..
علي وجهه ألف قطرة من عرق .. او يزيد ..
كان يجلس علي مقعد متحرك .. مبتور الرجلين إلي ما فوق الركبة .. مبتور اليدين إلي ما حول الرسغ ..
كانت الساعة الثالثة فجراص بقسم طوارئ الجراحة والحوادث ..
لم اتذكره في البداية ..

- أنا عارفك .. شفتك قبل كده ؟؟!!
رد باعتياد النجوم أمام معجبيهم .. 
وفي حسرة الخسارة الساخرة .. وعلي وجهه نبتت ابتسامة مجبرة علي التواجد ..
فإننا أحياناً نبتسم بالإكراه ..

- اكيد هنا يادكتور .. ماهو أنا محجوز هنا ..
واشاح بوجهه سريعاً ..

- أيمن .. مش كده ؟؟!!
أجاب في استغراب : ايوه يادكتور ..
فأمثال ايمن يستغربون أن يعرفهم الأطباء بأسماءهم ..
فبعد فترة من التلبس بوشاح البياض المعقم .. يبدأ الطبيب في مناداة الناس بحالاتهم .. بنسبة الهيموجلوبين .. او فيروس سي ..
بل يبدأ الأطباء يرون الناس أعضاءاً بعينها ..
فذاك قولون .. وذاك زائدة .. وهذه غدة درقية ..
وايمن كان اسمه برجر ..

فأن تنادي مريضا باسمه في المستشفي الأميري كانت تحمل له بعض الدهشة ..

وانسابت في ذهني الذكريات ..
إنه أيمن .. حالة الدرس في قسم جراحة الأوعية الدموية اثناء الدراسة .. اي منذ مايقرب من السنتين ..
اتذكره جيداً .. فقد اصابني بهزة عميقة ..
وأمثال أيمن لا يمكن نسيانهم ..
أمثال ايمن ينسون هم الأطباء ولا ينساهم الأطباء أبداً ..

ولكنني حين رايته للمرة الأولي كان بجسد كامل .. كان حالة الدرس يوم مناقشتي ..
وكنت اتجاوز كعادتي مناقشة الحالة .. اتجاوز المرض ..

ايمن فتي عشريني .. قوي البنية .. أو هكذا كان يوماً ..
تحمل عيناه عمقاً غرائبياً ...
كان يومها عمق التخوف .. عمق المجهولية ..

واليوم زاد عمق عينيه .. بنكهة الأسي .. والياس ..


ايمن يعاني من مرض يدعي مرض برجر .. وهو مرض يصيب المتشابكة العصبية الدموية .. (الأعصاب والشرايين ) ..
يتوقف علي اثرها الدورة الدموية بشكل تدرجي في الأطراف ... فتموت الخلايا ..

الخلاصة أن ايمن .ز وبشكل تدريجي كان يخسر كل يوم جزءاً منه ..
وكل بضعة اشهر يضطر الجراحون لعملية بتر للأجزاء الميتة ..

وحينما رايته في بداية مرضه كان قد خسر ثلاثة اصابع ..
وخطيبته ..

أيمن هو رجل بطعم الخسارة ... بنكهة الخسارة ... برائحة الخسارة ..
تتحدث معه فتلعن تاففاتك وامتعاضك من قلة المال .. او ازدحام الطريق ..
ايمن يجعلك تتضاءل كلما رأيته ..

ايمن هو مقابلة حية مع رجل كرامون سامبيدرو (فيلم البحر داخلي the sea inside ) .. بعمق الخسارة ..
لن اصنع اقصوصة بنكهة الوعظ .. ولن احيك شخصية روائية اقول فيها أنه الصابر الراضي ..
ايمن لم يكن سعيدا قط ..
هو ايضا لم يتأفف .. لم يلعن ..
هو كان يائساً ..
كانت الدنيا عنده تسير من الطرفين ..
كان الوقت عنده يسير اسرع منا ..
نحن نسير كل يوم نحو الموت يوماً..
فعندنا كل يوم نقترب من أجلنا خطوة ..

اما ايمن فكان يسير كل يوم نحو الأجل خطوة ..
ويسير نحوه الأجل خطوة ..
وكأنه يقطع في اليوم نحو الخسارة يومين ..
أو اكثر ..

لا لم يكن مرض برجر مميتاً ..


اليوم .. أيمن قد خسر رجليه .. علي أكثر من عشرة مراحل .. وعشرات عمليات البتر ...
وخسر معظم اصابع يديه ..
واليوم واثناء كتابة هذه السطور ..
يبترون له جزءاً آخر ..
جزءا أكبر ..

يبترون معه .. جزءاً من روحه .. التي اصابها بدورها البتر ..

بعدما مات حماه .. تدخل اخوال خطيبته .. وكان لم يزل يحتفظ باصابعه .. ولكنه يعلم أنها استعارة مؤقتة من التراب تبعا لمقولات الاطباء ..
- لم تربطين مصيرك بمشروع عاجز ..

وهكذا تركته خطيبته ..

لا اريد اليوم أن احمل عظة علي لسانه .. او حالة حياته .. ولا أن اصنع منه اسطورة ابتلاء صابر ..
إنه فقط يكشفنا .. يعرينا .. يفضحنا ..
يخبرنا ان هناك زوايا كونية لا ندري عنها شيئاً ..
وجراح لا تندمل .. وخسارة تشرق علي بعض النفوس مع كل فجر ..
واننا بخير حال ..  ولو حملنا ملايين الندوب .. التي توقفت عن النزف وإن لم تتوقف عن الألم ..

,ان دنيانا العابثة الصاخبة .. ومشكلاتنا الصغيرة التافهة لا تساوي شيئاً ..

واننا نملك الكثير والكثير ..

واننا وان ادعينا الخسارة ..
لم نخسر الكثير .. ولكننا نركز بأذهاننا علي ذاك القليل الذي خسرناه ..

إن ايمن كان يدفن كل اسبوع قطعة من جسده ..
ونحن نتأفف من حر الظهيرة ..؟؟

الخميس، 29 سبتمبر 2011

رضا علي رضا


لأنها أجمل من أن تنسي .. من أن تسقط .. كما سقط منا الكثير والكثير في الرحلة ..
مما نحتاج إليه فعلاً ..
نقتني الأوراق .. والكتب .. والأجهزة ..
ونجمع بعض العملات القديمة .. والأغنيات .. وصور عائلية سخيفة ..
ويسقط منا في الطريق .. الكثير من المعاني .. تسقط سهواً ..
وأحياناً .. تسرق ..
وأحياناً .. نبيعها ..

المصيبة أن تلك المعاني والرسائل التربوية الربانية هي مفاتح مغاليق الطريق ..
لن تنفعنا الصور .. ولا كرامة لورقة .. ولا عزة لكتاب بشري ..
حين تعلو ألغاز الطريق ..
نبحث في جيوبنا عن وجه مألوف .. عن يد صديق .. عن حالة حياة .. 
عن تجربة حقيقية .. لا شخصية روائية .. أو عبث سينمائي .. 
فما بالنا نشكل عقائدنا .. ورؤانا .. وتصوراتنا في الحياة من الرواية السينمائية المنقوصة ..
ونغفل الصياغة الربانية لشخوص حقيقية تسير في الجوار ..

وهي كانت كذلك ..
رأيتها .. علي كرسي متحرك .. تدخل إلي قاعة الدرس في قسم أ حريم أمراض عظام .. 
أوحي إلي وجهها .. أنها تحمل أكثر مما ينبغي .. وأن ذاك الثقل في صدرها هو ما أقعدها في النهاية علي الكرسي ..
وأدهشني صفاء بسمتها ..
هي إمرأة خمسينية .. في نضارة فتاة عشرينية ..

مين حيناقش الحالة دي ياجماعة ؟؟ قالها طبيب يرتدي معطف ابيض .. أقصد معطف أبيض نبت له كائن بشري  ..
فإن الطب اثنان ..
إنسان يرتدي معطفاً .. ومعطف يرتدي إنساناً ..
فبعد كثير من العمل .. والعمل .. نكتشف أن قطعة القماش البيضاء التي نرتديها صارت أغلي منا ..


وتقاعسنا جميعاً .. لا أحد يقوم .. فلا أحد يعرف شيئاً .. كلنا جديدون هنا .. ومرت دقائق .. صامتة ..
وجذبتني إليها .. هناك شيء ما فيها .. في عينيها صفاء ملائكي ..
اقتربت منها .. لم أسالها عن شيء وجدتني فقط أمد يدي لأحتضن يديها المرتعشتين خوفاً .. فهي تعلم أنها ضحيتنا الجديدة ..
ففي المستشفيات التعليمية لا تدفع أجر علاج مادي .. وإنما تدهس كرامتك البشري .. وينكشف جسدك أمام أيادي الطلاب الجدد .. يهرسونه بفحص السذج .. المستجدين ..
الذين لا يعتبرونك إلا أداة ..
يزنوك بميزان حالتك ..
حالتك سكر .. منتشرة .. قديمة .. لا تساوي شيئاً ..
حالتك ورم سرطاني .. أنت تساوي الكثير .. نعم .. قدر درجات امتحان العملي ..


بالنسبة إلي طلاب الطب .. صلاحية الإنسان تنتهي بمجرد انتهاء الكشف عليه ..
بالنسبة إلي أنا .. كانت علاقتي تبدأ تماماً في ذاك الوقت .. بالمحتضرين ..

لماذا أجد في الإحتضار شيئاً يجذبني .. حد البكاء ..

أعود إليها .. اسمها رضا .. وحينها عرفت كيف أن لكم من اسماءكم نصيب ..
الحالة .. علي قائمة انتظار تغيير مفصل الفخد علي نفقة الدولة .. بعد التهاب مفاصل مزمن وقاسي أودي بمفصلي الفخد ..
السبب : ابنها يعاني من ضمور العضلات .. لديه الآن بضع وعشرين سنة .. وبالتالي فهي قدميه .. ويديه ..
وكرسيه .. وعجلاته ..
والضريبة .. فخديها ........................
ألم قاسي .. وتشوه عجائبي في الحوض ..
لقد عانت تلك المرأة كثيراً ..

أنا أعرف تاريخها المرضي ..
أما هم .. وطبيبهم .. فيعرفون تاريخ مرضها ..
وفارق بين تاريخها المرضي .. وتاريخ مرضها ..
وبعد أن انكبوا عليها ... الكل يداعب .ز ويسحق .. ويضغط .. ويندهش .. ويدون ..
قامت .. وفي عينيها اكسير التوسل قد انصب .. 
وصاحت .. طمني يادكتور .. هل سأعود كما كنت ؟؟
ولمحت هنا ابنها يدلف إلي الصورة .. ليغرق في طبقتين من الدموع احتلتا عينيها .. ويحترق مع احمرار خديها ..
ويختنق مع حشرجة صوتها ..

ويذبحني في حرقة .. تنبعث من كيانها المنتفض ..
وجدتني أنسكب نحوها .. انهمر ..
حملتها ..  وذهبت بها غلي سريرها .. وهي لم تتوقف عن البكاء ..
وهناك أدهشتني ..
روت لي حكايتها .. كاملة ..
وروت لي ما وراء الحكاية ..
توقعت أن أري تذمراً .. أن أري حتي تصبراُ ..
ولكني ما رايت إلا قمة في الرضا .. هي تحبه حب العاشقة ,, تهواه ..
لا يعييها من المكوث في المستشفي سوي بقاء ابنها بيعداً عنها ..


 هي تتبعثر ندماً .. أن يظن أنه هو السبب ..
ترجوني في سؤالها .. أهو السبب ؟؟ .. تريد أن تسمعني أقول لا ؟؟
لتقسم له أن ذاك رأي الطبيب ..

أحببتها .. وأحببته ..
وأحببت القدر معها ..
وانتهت فترة التدريب .. وانا أهواها ..

أزورها يومياً .. نتسامر طويلاً ..


ويوم الزيارة .. يوم تجتمع العائلات .. ويختفي الأطباء.. ذهبت لأراه ..
جميل هو كنجم سينمائي .. غاية في الوسامة .. شديد الرقة ..
عذب البسمة ..

تري ما الذي ذهب بي يومها .. ؟؟
نعم أردت أن تكتمل لدي الصورة


.............................................................................
.....................................................................
................................................................................................
..........................................................................
...........................................................................


يا إلهي .. أو تعرف هي ؟؟
أو يعرف هو ؟؟؟

ما تلك السكينة التي تملؤهما ...
كيف يمتلئان رضا ..
كيف لم يسخطا .. لم يتمردا .. لم يصرخا .. كالمتوقع بالنسبة إلينا ؟؟؟

كي يمتلئ وجهها نضارة بمجرد رؤياه .. وهي تعرف أن عنائها سيبقي به .. وسيزيد بعده .. وأنه قربما يمضي ..

إن الكتابة عن رضا كحالة درس العظام .. سهل للغاية ..

ولكن الصعوبة في مجرد احصاء كم المعاني التي سكبتها في نفسي .. ولا املك لها صياغة .. بل إن محاولة صياغتها افساد قاس لها ..

فقط كل ما يمكن قوله .. أنه قبل أن تحتشد في عقلك الحالات وتلتبس الأسماء .. ويقتل الطب فيك البشري ويحولك إلي مشرط .. أو ميكانيكي بشري .. ويتحول الناس إلي حالات واسماء متلازمات ..
كل ما يمكن قوله أن بالإنغماس مع البشر حتي النخاع .. وبالخروج من حافة الصورة السينمائية إلي عمق الواقع.. نجد ما يؤكد لنا أن هناك ابعاداً في الحياة .. ومعايير أخري للسرور .. وللسعادة .. وللسلام الداخلي ..

معايير أخري للنجاح .. واللذة .. 
معايير أخري للبياض ...

تلك إمرأة .. وكلمات قد لا تعني لقارئ خارجي شيئاً..
ولكنها عنت لي الكثير ..
كل ما أردته أن أدونها .. لأتذكر حين أطالعها يوماً حالة وضعتني فيها رضا ...


لم اشأ أن انخرط أكثر .. لأنني أعلم أن لتلك القصة فصول أخري قد لا يحتملها كيان خارجي ..
فتركتهم يعيشونها وحدهم ..
وأنا أشك .. أني وحدي أعلم .. 
النهاية ....  

 تم حذف أجزاء من النص لأنها يتنافي مع أخلاقيات المهنة "خصوصية المريض"

25/7/2010