الأحد، 8 أغسطس 2010

الهوية .. أو .. الهاوية


لدينا في دواخلنا أجهزة معقدة للغاية للكشف عن المتسللين ..
نعم .. لدينا ..

أجهزة قد نطلق عليها "بصمة الروح" ..
وما أولئك المتسللين ... سوي تلك الأشباح التي تتلبسنا في سيرنا نحو الآخرة ..
الأشباح التي نطلق عليها بحماقة أنها أنفسنا ذاتها .. وهوياتنا ..
فأحياناً .. وبوجود عدة عوامل .. نصبح اشخاصاً آخرين .. غير ما كان يجب أن نكون .. وغير ما كانت إمكاناتنا الروحية تؤدي بنا ..
وغير ما ترددات أرواحنا يوصل ..
نتلبس هويات مغايرة ..
لا تنطبق علي أرواحنا .. وببساطة تكشفها أجهزة بصمة الروح .. وكاشفات نكهات الهوية الداخلية ..

وترتفع أجهزة الأنذار ...
دخيل .. دخيل ..
وهذا الدخيل .. ليس سوي أنت نفسك ..
عذراً .. اقصد .. أنت حينما لم تصير نفسك ..
حينما صرت شخصاً غيرك .. غير ما كان ينبغي أن تكون ..

الانذار ... اضطراب .. وخواء .. واغلاق للأبواب لئلا يتسلل الدخلاء إلي اسرار الذات الخفية ..
فلا عجب أن تشعر حينها .. أنك لست تدري ما تريد .. ولا ما أنت .. فقد أغلقت في وجهك أيها الدخيل الأسرار الداخلية ..

لماذا تتلبسنا اشباحاً فنظنها نحن .. ؟؟
حينما نتواري من ذواتنا .. ونخبئها أمام الضغط الاجتماعي .. ونرتدي اقنعة لاصقة ملائمة لما يريده الآخرون .. لا ما يوافقنا .. وما يرديه رب العالمين ..
وتلك كانت قصة صاحبي :

كنت اعلم أني لم أخلق .. إلا لأسير نحو الله .. هكذا قال لي صاحبي ..
ولكني اخذت أجبر نفسي أحياناً علي الالتفات قليلاً لموائمة الواقع ..
حتي صحوت يوماً .. ولست أنا ..
حاولت أن اشق الأقنعة .. وأحصي الدخلاء . ولكننا للأسف مع الوقت ننسي كيف كنا ؟؟
فلا نستطيع تمييز أنفسنا عن الدخلاء .. ولا نستطيع التعرف علي ذواتنا المدفونن تحت ركام الأقنعة الدنيوية الزائفة ...
مع الوقت .. تتلبس علينا الأشياء .. لا نستطيع الحكم .. أو المقارنة ..
مزيداً من الظلام .. ومزيداً من الظلام ..

لذا عدت للبدايات .. نحيت ذاتي قليلاً .. وتجاهلت أجهزة الإنذار المنطلقة في الداخل .. وعمدت إلي ما يريده الله مني ..
تركت نفسي لكتاب الله .. يشكلني .. يعيد فرمتة عقلي .. ويصطب له مشغلات جديدة ..
يغير أنماط ادراكي للأشياء .. 
ومع الوقت وجدتني ..
نعم وجدتني ..


شعور جميل .. ان تستيقظ يوماً ... فتنظر في المرآة لتتعرف لأول مرة علي ذاك الواقف أمامك ...
أن تقابل ذاتك التائهة بعد سنين وسنين ..

شعور جميل .. أن تعود أنت إليك .. حين تعود إليه ..
0
لكل منا بصمة ربانية .. وهوية .. إذا لم تتوافق حياته ومتوجهاته وأنماط تفكيره مع هويته الداخلية .ز فهو الاضطراب.. والخواء .. والزيف .ز والقلق .. والضياع .... والغضب ... والحنق ..

الهوية .. أو الهاوية ..
هوية اسلامية واضحة .. مناطها الإذعان الكامل .. وقبول العبيد لأوامر السادة .. دون تفكير أو تأويل أو سفسطة ..
هوية واضحة بلا مفاصلة .. و مداهنة للواقع .. أو بيع للأمر بعرض دنيوي زائل .. أو موادعة للخلق علي حساب الخالق ..

................................................................
وبين طيات حديثه ذكر لي موقفين علي سبيل الدعابة فقال :


كان يسير في إحدي الطرق المظلمة ليلاً .. طرق بلاد العرب التي انتشرت فيها البلطجة وقطع الطريق .. حين غابت عنها أنوار الحق ,,
ومن اللاشيء خرج عليه ستة نفر .. التفوا حوله في حلقة تمنعه من الركض ..
وهو كان عداءاً ماهراً ..
لم يستمع إلي أقوالهم ... التي كانت تفوح منها رائحة المخدر .. واسنانهم الصفراء التي تبرق ببريق برونزي مخيف علي نصل المديات "المطواة القرن غزال" المعانقة لرقبته ..
هو كان يعلم ما يريدون ..

تسارعت الأأفكار بفعل الأردينالين ..
موبايل .. ومائة وبضعة جنيهات .. وساعة رخيصة مقنعة بالغلو .. وكرامة مهدورة إن أعطي كل هذا طواعية ..
وأحكام الصائل في الإسلام .. وحكم المدافع عن ماله ..
وهل يستحق كل هذا .. علامة االبلطجية علي وجهه وعنقه .. وهو الطبيب المرموق ..

أم يكتفي بدفعة صغيرة .. وأقل الضرر.. ويعمد إلي العدو .. العدو التي قضت المخدرات علي مستقبله فيه كلاعب محترف لألعاب القوي في مراحل ضياعه القديمة .. وما قبل التزامه ..
هكذا قرر ..

أن يعدو ..

وقبل أن تتحرك عضلة واحدة لدفع البلطجي المقابل .. ليبدأ رحلة العدو .. ومقامرة الندبة مقابل الكرامة ..

وجد البلطجي الأيمن يصيح :
"ثواني يارجالة.. إيه ده اللي في وشه .. انت سايب لحيتك ليه يا أبو الكباتن ؟؟"
لحيتك .. أو يعرف البلطجي الفارق اللغوي بين اللحية .. والدقن ..
هل يدرك الفارق المعنوي بين تلك اللحية النابتة في وجهه .. صغيرة صغر مدة التزامه .. وعودته إلي ربه .ز من عالم الضياع والخواء والإلحاد والإدمان ..
وجد نفسه يقول في هدوء بعدما أعطي اشارة داخلية لعضلته الدافعه بالتريث ..

"سنة عن النبي .. إيه عاوزينها دي كمان "
وهنا تذكر نفس السؤال الذي سأله له صديق الطفولة حين رآه بعد توالي العمر بالأمس القريب .. انت سايب دقنك ليه ؟؟
حينها تنكر من الهوية.. "امتحانات والله يامحمد .. ومش لاقي وقت احلق"
هكذا لم يرد أن يصطدم .. بزميله المعيد الجامعي المرموق .. العلماني ..

وفي تناسق عجيب .. ابتسم البلطجية .. وارتفعت المديات عن عنقه ووجهه .. وادخلت في الجيوب ..
"مش تقول كده ياشيخ .. معلش ياشيخ مخدناش بالنا .. وياعم متبقاش تمشي في شوارؤع منيلة زي دي في وقت منيل زي ده .. في زمن وسخ زي ده ... اتكل علي الله .. وادعيلنا ربنا يتوب علينا "

ابتسم .. فبعدما كان يتعلثم لسانه .. وتتسارع الأفكار في رأسه .. وجد نفسه بهدوء الأزل يتوقف .. ليتعرف علي البلطجية الذين كادوا يضعون علي وججه للأبد بصماتهم .. ويوقعون علي خده توقيعات لا تزول ...
بدأ بصرامة يحدثهم .. ويعظهم .. معذرة إلي ربهم ولعلهم يتقون ..


وتغير الوضع في ثانية .. انقلب كل شيء ..
اصبحوا هم المدافعين أمام صرامة دعوته .. أصبحوا يبحثون عن المبررات ويفكرون كيف يخرجون من وطأة النص ..

فقد كان هو أمامهم يمثل الحق .. والبياض ... والصفاء ..

همس لي صاحبي .. ولكنني أول ما بدأوا يتذمرون من وعظي .. انطلقت راحلاً خشية أن يعودون في مبدأ عدم التعرض للشيوخ .. أو أن تغضبهم كلماتي فيغتنمون لساني بدلاً من الموبايل ..

......................................................
الثانية:

مهنة الطب هي عوالم البياض الذي يتشح به الوسخ ..
معاطف بيضاء قد يرتديها الشياطين ..
فمع صلاحيات مطلقة للدخول إلي عوالم المورفين والترامادول والفاليام .وغيرها من المخدرات ..

أصبح شغل البعض هو روشتات للمدمنين باهظة الأثمان تعطيهم إتاحة المخدرات بضمان الدولة وحمايتها ..

وأحياناً لمحترفي البغاء الطبي .. تركيبات للخلاص من اختبارات المخدرات التي يتقيمها الشركات للمتقدمين ..

وقد سقط صديقي أمام أحد المدمنين المطالبين بمثل الطريقين ..
كان مهندس الغاز .. الذي اقسم أن يعطل له التركيب .. ويضايقه مضايقة الإبل .ز إن لم يمضي له علي تلك الصلاحيات .. في روشته ..
هكذا ألمح له ..
وصديقي المتلعثم الذيذاق الأمرين في إعادة تركيب الغاز .. بعدما تخطاه التركيب المجاني القومي .. وهو علي اعتاب الزواج .. وملفه الأمني القديم يمنعه من التقدم بشكوي عن ذاك المهندس المدمن .. الذي تفوح من عينيه الشرر..

والذي لا يأمن بالتبعية ردة فعله أمام شكواه ..

وجلسا يتسامران .. يحاول الفكاك منه بمختلف الطرق ..
"دي مسئولية .. ونقابة الأطباء تضيق علينا .ولابد من امضاء دكتور اورام علي مثل هذه الروشتة .. وادوية الجدول الأول ..

وفجأة دق جرس هاتفه المحمول .. بالأنشودة

يا حامل القرآن .. قد خصك الرحمن .. بالفضل والتيجان .. والروح والريحان ..

ضغط زر cancel
ليلتفت ليجد المهندس المدمن المشاق إلي نفحة التيمو .. مندهش .. وسأله ذات السؤل الغريب .. حينما التفت إلي شعيرات لحيتي النابتة الصغيرة .. التي تورات عن الملاحظة العادية ..
"دكتور .. هو أنت سايب لحيتك ليه ..؟؟"
ابتسم في نفسه .. كاد أن يسأله هل يعرف حمادة الناحي البلطجي وجماعته .. أصحاب سؤال الأمس
"سنة النبي صلي الله عليه وسلم"
"إيه ده ياشيخ هو انت سلفي "
"مش لا زم تبقي سلفي عشان تبقي متبع سنة النبي"
"معلش ياشيخ .. واضح إني صدعتك .. طب اقوم أنا اخلص تحويلة الغاز بتاعة سيادتك "

قال لي صاحبي .. وبالطبع .. هو كان يعمل .. وأنا قد انحلت تلعثماتي .. وانطلقت أعظه ........................................
واظنه قد أتقن عمله بحيث لا يعود ثانية ليستمع موعظتي ..

وهكذا انقذتني الهوية .. بمظهر بسيط من مظاهرها .. مرتين ..

ضحكنا كثيراً .. سوياً

اقصد ضحكت كثيراً ..

فقد تطابقت الهوية .. وانخرست اجهزة الانذار ..
ولم يعد هناك حاجة إلي الثنائية ..
والتئمت وعدت إلي ذاتي ..
واصبحت واحداً ثانية .........................................

http://www.youtube.com/watch?v=OKDWa8MD9Fg
إرسال تعليق