الاثنين، 21 يناير 2013

(العب في الحوش) .. من وحي حكم ابن عطاء


يقول ابن عطاء الله السكندري " سوابق الهمم لا تخرق اسوار القدر"


القدر .. هو المنزلق الذي سقط فيه الملاحدة وهو ذاته المدرج الذي صعد عليه المقربين ..

من اصعب الادغال الذهنية ومن اكثر الاحراش الفكرية وعورة وظلمة ومهالك .. صعب الابتلاع .. ساحة للابتداع .. غاص فيه اناس بلا دليل فغرقوا .. وانساب معه ثلة بنور الإيمان فارتقوا ..

القدر .. خطة الله المسبقة لحياتك .. علم الله السابق لافعالكم .. علم احاطة لا علم جبر .. القدر شريط حياتك المسجل مسبقا لدي المولي عز وجل دون تدخل بالإرادة الحرة .. يصعب عليك فهمها لأنك تحاكمها بمنظورك الدنيوي وقوانين كونك الفيزيائي ..القوانين التي فطرها الله فحكمها ولم تحكمه .. لا يخضع الله للزمن ولا يخضع علمه لاشكالية الحاضر والماضي والمستقبل .. لذا فعلم احاطته متجاوز الزمن فيعلم ما يقع منك مستقبلا دون ان يؤثر هذا العلم في اختيارك او مسئوليتك عن افعالك ..

ولكن يا سادة ليست افعالنا الصغيرة هي المتحكم الوحيد في مصائرنا .. هي عامل من العوامل ولكن ليست الإرادة الحرة هي الحاكم الاخير .. فلدينا كما يسميها ابن رشد (الظروف الموضوعية) .. الخارجية الخاضعة مباشرة لتدخل العناية الإلهية ..

وذاك التداخل والكيمياء والتناسق الهارموني بين الإرادة الذاتية الحرة وبين التدخل المباشر للعناية الربانية في الظروف الخارجية هو ما يصنع القدر .. القدر منظومة وليس أحادي البعد ..

اي يمكننا القول أن التدخل الرباني يصنع السياج الخارجي الذي تلهو فيه الإرادة الحرة .. السور المحيط بفناء الإرادة الانسانية ..

الم تر إلي ربك كيف يمزج دوما بين كلمة العلم في القرآن وبين فعل الإحاطة ..والوسع .. (أحاط - علما)



ولكن يجدر بنا الإشارة أن الله يتدخل بهداه وعنايته بطريقتين .. الأولي تشكيل الظروف الخارجية وتعشيق تروس الحياة لخدمة طبخته النهائية بالهدي بأن يلقي إليك رسالة أو يبعث إليك عبرة ..

والثانية بأن يقذف في القلب بالإلهام حينا .. وبالهم والغم اللامسبب حينا .. ببعض البلاء الداخلي الذي يدعو إلي الذكري والإفاقة .. وكأنه وإن ترك الإرادة الحرة تختار طريقا فقد اشار لها إليه وزينه لها واستفزها للمسير .. اي ان واقع فعل الله في الارادة الانسانية هو فعل توجيه لا فعل تحكم .. كمن صنع للنهر مسارا واطلق له الجريان ..

Manipulation not controlling



إن معادلة القدر والاختيار .. والتسيير والتخيير .. معادلة متداخلة الأطراف متشابكة العوامل .. يسقط في دوامة الحيرة من ركز علي احد جوانبها وغفل الأخر .. وانزلق في هاوية التوهة من التفت حول عينيه احدي عواملها فانطفأ نور البصيرة فيه ولم يحط بشمولية المنظومة ..



لذا فساحة الإرادة البشرية الاختيارية وان كانت واسعة شاسعة يتفاوت فيها الناس حسب هماتهم وتكاسلهم .. وبين ضيق افقهم واتساع مداركهم .. وبين تفاؤل يبعث علي العمل وتشاؤم مقعد .. ولكنها رغم هذه الشساعة والاتساع فهي في النهاية متناهية الاطراف محدودة بسور الأقدار ..

فالعبوا كما شئتم في فناء الإرادة الحرة فلا تزالون داخل جدران القدر ..نعم لا تتقاعسوا عن السعي والعدو .. ولكن اعلم يا فتي .. مهما سبقت همتك لم تزل دوما داخل اطار المشيئة .. ومهما كانت ارادتك فلم تزل محكومة بأسوار الإرادة الربانية العليا .. ومهما يكن وضعك الحياتي وموقفك الكوني فهو لم يخرج من إحاطة العناية ..

فلا تغترن بفعلك .. ولا تنخدع بهمتك وامكاناتك .. ولا تظن ابدا النتائج معقودة علي قدر الهمم وحدها ..  ففي النهاية اقصي همتك انك تلعب بإرادتك لكن داخل حوش (فِناء) القدر ..

فإن سوابق الهمم لا تخرق اسوار الاقدار ..






إرسال تعليق