الأحد، 20 نوفمبر 2011

الحرية لطارق .. (علي هذه الأرض ما يستحق الحياة 2 )


في بلدنا حاليا دائما ما تسمع هذه العبارة الحرية لفلان المعتقل علي اثر احداث كذا .. وتري لافتات تحمل صوراً وعبارات الحرية لفلان الناشط في حركة كذا وكذا .. وكل ما يعانون منه هو سجن أصغر .. معتقل أو زنزانة او ربما اقامة جبرية ..
وهناك خارج السجون تلك .. من هم مسجونون أكثر .. في سجون اكثر ضيقا .. ربما هي علب صغيرة .. ولكنها زنازين حريرية الملمس وردية اللون .. زنازين باقنعة براقة .. ولكنها في النهاية زنازين ..
فالسجون في التصور الإيماني .. إنما هي سجون الداخل .. سجون النفوس .. سجون الشهوات وتشوهات التصور ..
""قال رب السجن أحب إلي مما يدعونني إليه "
السجن أحب من حرية موهومة في حضن الشهوة .. مع خسارة النفس ..
وطارق (تحدثت عنه في الادراج قبل السابق ) كان مكبل في احداها ..


طارق كان حاملا لكتاب الله في صدره .. قارئا واسع الاطلاع -دودة كتب - كما يسمون امثاله في مصر .. عداءاً ماهراً ورياضيا عالي اللياقة .. ولكنه تخلي عن كل هذا .. حينما قرر الالتحاق بساقية العمل مبكرا .. مبكرا للغاية .. لأنه قد قرر الخطبة والزواج وهو لم يزل طالبا جامعيا .....
وبغض النظر عن التوقيت .. فإن الزواج في مدن الازدواجية والخوف العربية يعني أن تتخلي عن كل شيء .. تتنازل طواعية وربما لا شعوريا عن كل القيم الجمالية فيك .. عن هوياتك .. عن شغفك .. وربما عن انتماءك التنظيمي .. وربما بشكل اكثر قسوة عن اورادك وعلاقتك بالله .. ذاك جميعا في سبيل لقمة العيش .. التي اصبحت مع الوقت أكثر من مجرد سعي وراء لقمة العيش .. فلقمة العيش لم تزل علي سعرها القديم .. ولكن تطلعاتنا هي التي اختلفت .. ورغباتنا هي التي لم تعد تقنع بالعيش .. وإنما لا تقنع بما دون البيتزا .. والوجبات التي تحمل العلامات العالمية المسجلة ..
طارق كان يبرر تخليه عن كل جميل فيه .. أو ربما ضياع كل جميل فيه غفلة منه بأنه سقط أثناء البحث عن حياة كريمة ..
الحياة الكريمة .. هي مبرر الغافلين .. والمنبطحين .. والجبناء .. والسارقين .
الحياة الكريمة هي مبرر المنهزمين .. والخائنين ..والذين تخلوا عن احلامهم ..
الحياة الكريمة هي مبرر الجميع أمام كل انبطاح .. كل تسامح مع الشر .. كل تصالح مع السواد .. وكل استمراء لما لا تريد ..

قال لي طارق واصفا الحياة للشباب حديثي التخرج في مصر .. بأنها ميكنة نهمة شرهة .. ماكينة هائلة الحجم .. تلتهمنا .. ندخل من احدي جوانبها علي فطرتنا .. علي جماليتنا .. علي شغفنا .. نظن أننا سنغير الكون وسنقنع بالقليل .. وسنأتي من المال بما يكفي لنحقق أحلامنا البيضاء ..
ولكنها تستمر في العمل .. تلك الميكنة ذات البرمجة المحددة .. ذات الأحلام المعلبة .. والتصورات المستوردة ..
لنخرج من الناحية الأخري قوالب .. أناس معلبين .. كل منا يحمل لاصقا بدواعي ونواهي الاستعمال ..
نذوب .. نتوه .. ننمحي .. نتلاشي ..
ولكن تبقي اجسادنا .. وارواح منا بلا هوية .. ككائن غريب يحتلنا ..
فنستيقظ كل صباح بذات المرارة في افواهنا .. وذات المرارة في صدورنا .. لا نعرفنا ..
نشعر بالغربة معنا ... بالغربة فينا ..

حتي ربما لا نجد أنفسنا لنستمتع بتلك الحياة الكريمة .. التي ضحينا بكل شيء في سبيلها .. حتي انفسنا ذاتها ...

اجبته :

اتعرف يافتي .. شتان بين الحياة الكريمة .. والحياة التي ارادنا الله ان نريدها ..
الحياة التي يأملها صاحب اليقين في تصوره لمعيشته الدنيوية ..
الحياة التي وعد الله بها المتقين ..
الحياة الطيبة ...
{مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ }النحل97

تلكم فقط هي ما تحدث عنها الله ..
طيب الحياة .. لا الحياة الكريمة بمفهومها الحضاري الحالي يا فتي .. ذاك المفهوم هو اول ما ينبغي عليك أن تتحرر منه ..
أن تتحرر من معطيات الحياة الكريمة .. من تعريفها المادي العقيم .. من التداول العامي الشائع لهذا المفهوم ..

وأن تطلب الحياة الطيبة ...

والفارق  جد كبير ..
الحياة الطيبة .. غير متعلقة بالخارج .. غير مرتبطة بما تملك .. غير متناسبة مع ما لديك ..
الحياة الطيبة متحررة من الواقع .. متحررة من الظروف .. متحررة من الأاشياء ..
الحياة الطيبة تنطلق  من الداخل .. من داخلك انت .. متعلقة بقلبك .. بروحك .. بتصورك .. بكيفية استقبالك للواقع لا بالواقع نفسه ..

الحياة الطيبة هي بستان العابدين .. ومستراح السائرين لله .. هي التي لو ذاقها الملوك ورجال الأعمال لأعلنوا حربا قدسية لاستردادها ..
قال أحد الصالحين : "لو يعلم الملوك وابناء الملوك ما نحن فيه من النعيم لجالدونا عليه بالسيوف "
التي قال عنها احد الصالحين ايضا :: " إنه لتمر بالقلب لحظات اقول لو أن اهل الجنة فيما نحن فيه لهم في نعيم "

الحياة الطيبة التي تحملها في صدرك غير عابء بالتغيرات الكونية .. كمسحة ممن لا تجوز عليه الحوادث ولا تؤثر فيه التغيرات .. فيسكن القلب بثبات مولاه المتعلق به ..
حتي قال ابن تيمية :" ماذا يفعل بي اعدائي .. أنا جنتي وبستاني في صدري اينما ذهبت فهي معي .. إن قتلوني فقتلي شهادة .. وإن نفوني فنفيي سياحة .. وغن سجنوني فسجني خلوة "

اتري يافتي ذاك التصور الإيماني كيف جعله يغير نظرة استقباله للكون .. وزاوية رؤيته للحياة .. تصور اصبح عدسة وردية يري فيها السجن خلوة .. والنفي سياحة ؟؟!!

قناعتك بزوجتك .. ورضاك عن مساحتك في الدنيا .. ونظرتك الواسعة للعناية الربانية .. والرؤية الصابرة للحكمة في البلاءات .. أن تري المنح منحاً .. والمنع منحاً .. أن ترضي بكل ما نزل بك لأنه لم يخرج عن نطاق الإرادة الربانية .. وتري خطة ربانية .. ومطبخ للأأقدار يصنع لك وجبة سيرتك الحياتية ..
يوسف لولا البئر .. والسجن .. لم يكن ليحكم مصر ..

أحمد بن حنبل يقول : "تزوجت ام عبد الله منذ خمسة وثلاثين سنة ما اختلفنا في كلمة "
لم يكن ديكتاتورا .. أو متعنتا .. أو مغلوط الفهم للقوامة رحمه الله .. إنما التصور الحقيقي لطيب الحياة .. قانع مقنع ..

اهتمامك بالدواخل .. بالمعاني  .. تفضيلك للقيمة عن الوفرة .. وللأثر علي الكثرة ..

تلك المشاعر اللاموصوفة التي تنتابك خارجة عن المعقولية عند استيقاظك في جوف اليل بدون منبه لتقف بين يدي الله ..

ذاك الهم الذي تعلم أنه ما بينه وبين انفراجه عنك سوي أن تضيف إليه اللام .. حين تنادي .. اللهم ..
والكربة التي تتحول بعمق الفهم .. وقبول الحكمة الربانية فيها .. فتختلط حروفها وتعاد ترتيبها .. فتصير .. البركة ..
تلك هي الحياة الطيبة ..
والطيبة لا توصف ..
لا تنال ادراكاً إلا بالذوق ..
أن تذوقها فقط ..
فلو طلبت منك ان تصف لي طعم الفراولة لوقفت اللغة بأسرها عاجزة عن وصفها وكأني اذوقها حتي افعل ...
فما بالك بالحياة الطيبة .. اكسير معيشة المتقين ..
الحياة الطيبة في الدنيا .. هي التي ينبغي أن تكون منطاق ارادتك .. والعجيب أنها مكفولة بالإيمان والعمل الصالح .. منحة ربانية .. ونتيجة منطقية لاصحاب اليقين ..

أما تلك الحياة الكريمة .. المتعلقة بمسكن وسيارة وملابس وحسابات بنكية ومكانة وظيفية .. فهي وهم زائف لا تلبث أن تمسك خواء حقيقته عند الوصول إليه ..

بقي لك حياة أخري .. وهي حياة الرغد ..
وتلك لا مكان لها إلا في الجنة ..
وهي جماع الاثنين .. متعة الداخل .. ومتعة الخارج .. . لذة النفس .. ولذة الاشياء ..

فما عليك سوي الارتماء في كنف التصور الحقيقي .. والقاء أخدوعة الحياة الكريمة في مزبلة الحضارة العقيمة .. والتمسح بعتبات الإيمان والعمل الصالح .. وحينها ستذوق لذة الدارين ..
الحياة الطيبة في الدنيا .. والحياة الرغدة في الآخرة ..
ومن ذاق عرف ومن عرف اغترف ...
إرسال تعليق