الثلاثاء، 31 مارس 2015

حول التصوف


.....
الهروب نحو التصوف كتجربة روحية عميقة كردة فعل من روح متشنجة أمام الزحف المادي .. 
ان ارواحنا تتصحر .. 
يزحف عليها العمران الحضاري ... يحيل تربتها الغضة بناءات حجرية .. 
لا تحسبن الانسان استغني عن أصنامه .. فقط قد استبدلها .. بأبراج وماكينات .. وتقرب للبراندات العالمية وسدنة التسويق وكهنة التسليع والاستهلاك .. 
لذا فإن هذا التوجه نحو التصوف والولع بالصوفية وكلماتهم واشعارهم الذي يبدو كظاهرة واضحة في بلداننا .. هو توجه دفاعي طبيعي .. وردة فعل روحية .. طبيعية لأرواح تدفن لاواعية حية تحت ركامات الجاهلية الثانية .. 
أرواح لم يعد يقنعها الطرفان .. الطرف المادي التسويقي بآلياته وخطابه الدعائي التسويقي ... والطرف الديني المتمثل في المؤسسة الدينية الأزهرية السخيفة بسطحية منابرها وتناولها .. 
وكذا الخطاب الديني المستقل الذي بات بأكمله ملوثا بالأبائية السلفية ... والنصوصية الجامدة والابتعاد عن مصدر التلقي القرآني الأول المتجاوز للزمن والتمركز حول أراء السابقين وفهمهم التاريخي المقيد بإطاره الزمني ..

لم يعد كلا الخطابين يقنعنا ..
الانتماء للحضارة المادية .. وعيش الحياة الراقية تبعا للابعاد الجديدة لم يعد يشعرنا بالاستقرار .
كما أن الالتزام الديني تبعا للأبعاد السلفية والصورة الأرثوذكسية للإسلام لم يعد يشعرنا بالإكتمال .. لم يعد يجيب علي أسئلتنا وشكوكنا ... لم يمنحنا بديلا حقيقيا ومتوازنا ومتناسقا أمام الهجمة المادية علي أرواحنا ..
لم يشعرنا الخطاب الديني بحرية كافية ..
لم يشعرنا سوي بمزيد من الهشاشة .. كتصور مرقع .. مرمم .. ضعيف أمام تنقيباتنا عن أجوبة أمام التفاعلات الحياتية اليومية ..
التصور الديني الحالي الملوث بالسلفية تصور فقير علي جانبي الثقل العقلاني .. والعمق الروحي ..
تصور فقير للغاية علي جانب الأنسنة ومتطلباتها ...
لذا كان الحل في تجربة .. ذاتية .. شخصانية .. صوفية .. من الاتصال بالله ..
تجربة تركب فيها قلبك وحده .. لتسير به نحو الله ..
تجربة متمردة علي الأبائية العقيمة .. وعبادة التصور التقليدي الموروث ...
تجربة مناطها الحرية ..
فوحدها التجربة الذوقية الصوفية تصبح فيها العبودية فعل حرية وجودية ..
وحدها تلك التجربة تمنع الروح من التصحر .. وتزيل كل تلك البنايات المادية المخالفة علي تربتنا الروحية الخصبة ...
وحدها تمنحنا التوازن ..
ووحدها تصمد أمام التشكيك العقلاني .. أو الشهوة المادية ..
وحدها تمنحنا تصورا نقيا متناسقا ارتكازيا شاحنا .. ومرنا بما يكفي ليتكيف مع السباق الكوني السريع ..
الحل في التجربة الذاتية الصوفية ...
ولما لم يكن ملائما في عصور الزيف .. التموضع تحت قدمي شيخ أو ارتداء الخرقة .. أو السوح الدرويشي التجوالي ..
ولم تعد العزلة ملائمة ..
ولا وجود للخانقاه والتكايا .. 
لذا اصبحنا نحتاج إلي إعادة فهم السير الصوفي .. وإعادة تقعيده بقواعد تجديدية ترتكز علي أصوله وجوهره ومقاصده بآليات جديدة وخطاب أكثر وضوحا وملائمة للذهن العصري ...
.......
إننا مجبولون علي طلب الحقيقة .. النقية الصافية .. التي لا يشوبها كدر الوهم أو تعكيرات الخطأ ..
ومجبولون علي تلمس الغايات العظمي .. علي كل الطبقات .. عقليا وعمليا ..
...
والحقيقة عزيزة متخفية ممزقة بين الأطروحات المتعددة حتي داخل الدين نفسه .. ديانات وافكار ومجادلين والكل يعتقد أن قد ملك الحقيقة المطلقة ،، وأنه ممثل الحق الأنقي ..
والانسان الحيادي والموضوعي وصاحب العقل والذكاء والإحاطة والإطلاع يتحير أكثر ..
العقل غير قادر علي التعاطي مع حقيقة يدخل المطلق طرفا في معادلة تصورها (ويندوز اكس بي مش حيشغل لعبة غير ملائمة سوي لويندوز سفن)
لذا كلهم علي خطأ وكلهم علي صواب .. وكلها مقاربات .. والمقاربات تفاوت فيما بينها ولكنها بالنسبة للمطلق علي مسافة واحدة وهي الصفر
اشاعرة ومعتزلة وحشوية وغيرهم
وان كان طريقة السلف اسلم .. وطريقة التوقف في النص المتشابه والتفويض في الاعتقاد هي الاحق
ولكننا نضطر ان نغوص في التأويل والكلام ومقاربات الادراك حين نتعامل مع الاخر الملحد او المبتدع صاحب الشبهة
لايتمكن ادراكنا من التعامل مع معادلة تدخل اللانهاية طرفا فيها
باستخدام عقل ادراكي عاجز وقاصر وغير مؤهل وذلك منحني الخطأ الأول الذي ينتج مقاربة (هي في النهاية ليست حقيقية تماما)
المشكلة الاهم .. ان محاولة الصياغة اللفظية لهذه المقاربة نفسها أمام لغة هي صنيعة بشرية ضيقة عاجزة وقاصرة وغير مؤهلة للتعاطي مع مثل هذه المدركات ..وقصور اللغة اعظم واشد من قصور العقل نفسه .. وهذا منحني الخطأ الثاني المتراكب .. (فتنتج مقاربة اخري لفظية هي في النهاية ابعد قليلا عن الحقيقة من المقاربة التصورية نفسها)
اذن كيف السبيل .. والحواس خائنة والعقل قاصر والحدس يخطئ والتجريب له اشكاليات ادراكه اصلا لأنه في النهاية يعتمد علي عقل وحواس المجرب ..
فما السبيل نحو المعرفة الحقيقية ..
التجربة الذاتية الذوقية .. التي تفني كل هذه .. ومناطها استعلاء الروح علي الجسد بحواسه وعلي العقل والشهوة والحدس ايضا ..
فلما تقوي الروح بحق (لا عن وهم) .. وتصبح هي المسيطر الاكبر علي دفة التوجيه الانساني .. وتصبح هي وسيلة الادراك الأعظم ... حينها فقط يمكنك التعاطي مع المطلق ..
وهو ما يسمي بالمكاشفة ..
لأن الروح من أمر الله .. مطلقة بإطلاقه .. لذا فهي الأقدر علي التعاطي مع هذه المعادلة .. معادلة الحق والحقيقة والاتصال بالله ..
وهنا تظهر اشكالية اخري .. وهو ما يسمي بالعهد او السر ..
الروح تتمكن بشكل ما من الادراك الروحي .. والتماس الحق والحقيقة .. والتفاعل مع الغيب ..
ولكن ليس للروح وسيلة تعبيرية .. وليس لها لسان ينطق .. وليس للأرواح لغة او لفظ ..
لذا فمحاولة تحويل الادراك الروحي لصورة لفظية هي محاولة عبثية ايضا .. عبث مركب ،، وحماقة ... لأننا نعود إلي منحني الخطأ الثاني الذي سبق ان اشرنا اليه ولكن بشكل اكثر اتساعا ..
فاللغة العاجزة واللفظ الضيق الذي لم يستطع النقل المحايد والسليم والثابت المحكم للتصور العقلي القاصر في مقاربته الادراكية ... ستصبح هذه اللغة اكثر عجزا حين تتعامل مع الروح ومدركاتها .. لذا ربما خرج اللفظ والتعبير اكثر تشوها ..
لذا كان عهد الصوفية .. أن يكتموا سر المشاهدة والحضرة والاتصال ..
وكل من حاول صياغة الادراك الروحي قوبل بالتكفير والقتل مثل السهروردي والحلاج او البسطامي ..
واكتفوا بالاشارة ..
واكتفوا بعلم المعاملة .. بأن يمنحوك الوسائل التي تدخلك التجربة الذوقية ويحفزوك نحوها .. ويساعدوك في تقوية حواس الروح .. لتدرك بنفسك ..
فمن ذاق عرف ..
وحده من ذاق ..
لذا لا استطيع ان اعرفك الحق .. أو تتذوق الاتصال ..
وانما اساعدك أن تعرفه ... واشير إلي الطريق الذي تحتاج سلوكه نحو أن تتذوق الاتصال بنفسك .
.......
وفي النهاية لدي اشكالية صغيرة مع الاسماء والانتماءا وخصوصا بعد أن جاء في القرون الأخيرة أناس نسبوا إلي الصوفية فشوهوها ..
إرسال تعليق