الاثنين، 24 مارس 2014

من وحي حكم ابن عطاء .. المعرفة والتعرف


(إذا فتح لك وجهة من التعرف فلا تبال معها إن قل معها عملك .. فإنه ما فتحها لك إلا وهو يريد أن يتعرف إليك .. ألم تعلم أن التعرف هو مورده عليك .. والأعمال أنت مهديها له ؟؟ .. وأين ما تهديه له مما هو مورده عليك )

إن الله لم يجعل الجنة منوطة بالأعمال .. إنما الكل متعلق بالرحمة والرحمانية .. فالأعمال قوامها التقصير بنية مدخولة وسهو بشري لازم وضعف عن الاستمرارية والدوام وغياب عن اقامة العمل علي وجه الكمال أو اداءه بما يكافيء المتقرب به إليه ..
فكم من صلاة لا تليق بالله .. الذي نحاول بها صلته .. وكم من شعيرة ترفعها الملائكة مشوهة ومرقعة ومهترئة لا تليق حتي بالرفع .. وكم من اعمال نحاول بها التقرب لله وهي في ادائها المهترء تحتاج إلي استغفار من جرأة العبد علي ارسالها بهذا الشكل الساقط إلي
السماء ..

لذا لم تكن الجنة منوطة بالأعمال ولو كانت بشكل نسبي جزاءا علي العمل الصالح .. أو بمعني ادق جزاءاً علي مقاربات ومحاولات العمل الصالح .. وإنما الكل متعلق برحمة الله .. وكما قال النبي محمد (لن يدخل أحدكم الجنة بعمله .. قالوا ولا أنت يارسول الله .. قال ولا أنا .. إلا ان يتغمدني الله برحمته ) .. ولكن ليس معني ذاك ترك العلمل .. إنما التسديد والمقاربة وعدم الاعتماد علي العمل .. واليقين بأن الأعمال من مفعلات رحمة الله فينا .. بل هي من رحمته ذاتها .. أن وفقك لمقاربة عمل صالح أو اقتراف حسنة يتقبلها لا حول ولا قوة لك علي أدائها .. ولا طاقة لبشري علي القيام بالعمل بأحقيته وصلاحيته للقبول ..

فإذا كانت الجنة غير منوطة بالأعمال وغير متوقفة عليها وهي خلق من خلق الله  .. فكيف بالدخول علي الله .. والاتصال بالله .. والقرب من حضرته .. ..!!!!
فواهم عابث من ظن القرب من الله.. والدخول عليه مسبب بأعمال .. أو متعلق بأداء شعائر .. أو صك ومفتاح مشفر يمنح إياه العبد بعدما يصل رصيد معين من الحركات والقربات ..
وواهم أيضا من رأي في ذاك دافع لترك العمل .. أو ظن عبثية فعل الخير وايتاء القربات ..
إنما الأمر بين الأمرين .. مأمورون بالفعل .. منغمسون حتي النخاع في مقاربات التقرب .. ولكننا في ذات الوقت موقنون أن أفعالنا ما انبثقت إلا من رحمته ولن تصل وترفع وتقبل إلا برحمته .. ولن يترتب عليها قربات ومزايا إلا برحمته ..

وذاك هو احد اعمدة فقه السير إلي الله ..
فالمولي سبحانه لا تنفعه الطاعة منا .. فذاته المطلقة لا يعوزها شيء .. ولا تضره المعصية منا .. فليس لله من حاجة اصلية جوهرية ذاتية بكلاهما فعل الطاعة أو ترك العصيان .. إنما هو امر من مقتضيات الابتلاء والقيومية علي الخلق والعناية بهم ..  لذا فالأعمال هدايا نسبية لا تؤثر علي وجه الحقيقة في الحق المطلق .. إنما هي تؤثر في مكانة المخلوق النسبي وسلامه الداخلي والمجتمعي ونفعه ذاته ..
وتلك النقطة الأولي .. الأعمال مهداة .. وهي هدية لغير محتاج .. وغير ذات اثر في ذاتها لذاته ..
.....
التعرف ..
دعونا نتفق علي بديهيات .. المخلوق نسبي والخالق مطلق .. وكل ما نسب للنسبي نسبي .. وكل ما نسب للمطلق مطلق ..
فعلم المخلوق نسبي .. ومعرفة المخلوق نسبية .. والعلم هو إحاطة بالمعلوم ذهنيا ..
وكيف للنسبي أن يحيط بالمطلق .. بل كيف لله عز وجل أن يحيطه شيء .. ولو كان علما .. ولو كان ذهنيا ..!!
(لا يحيطون به علما)
وهكذا المعرفة .. تشبه العلم .. ولكن العلم من خصائص العقل والذهن .. والمعرفة من خصيصات الروح وحواسها ..
فالمعرفة اشمل واكثر اتساعا من العلم بكثير .. لاختلاف ادواتهما ..
فالعقل بشري أرضي من الجانب الأرضي فينا .. والروح من نفخة الله .. من الجانب النوراني السماوي الذي لايقارن به أي جوانب المادة فينا ..
فحتي لو تفوقت المعرفة اللاوحية علي العلم الذهني .. ولكنها تظل نفخة من روح الله .. محدودة نسبية إذا قيست باطلاق الله ..
حتي وان كانت غير محدودة ولا متناهية نسبيا إذا قيست بقدرات العقل الذهني (العلم)

فالمعرفة مقاربة روحية اكثر اتساعا بشكل لا يوصف من العلم الذهني .. ولكنها أيضا رغم اتساعها الهائل في المدي والإمكان فإنها محدودة  إذا ما قيست باطلاق ذات المولي (محل المعرفة .. وحاشاه أن يكون محلا ومفعولا)

نعم حاشاه أن يكون معلوما ... وحاشاه أن يكون معروفا علي وجهين ...
الأول عجز الطريقين عن الإحاطة به ..
والثاني أنه سبحانه الفاعل المطلق علي وجه الحق .. مبدأ الفعل ومنتهاه .. خالق المخلوق وخالق فعل المخلوق .. فما من فعل من افعال الخلق إلا نبع من اسم من اسماء الله الجارية السارية في الكون .. فالله النافع المطلق يستمد المخوقين النفع من مصدريته وهو اسم الله النافع الساري في الكون .. وهو الضار المطلق يستمد المخلوقين فعل الضرر من مصدريته السارية في الكون باسم الله .. 
لذا فأنت لا تعرف الله .. إنما هو يتعرف إليك .. يجذبك إليه ..
لذا كان التعرف عند فقهاء الطريق هو اللفظة السليمة لا المعرفة ..
ورأوا أن العارف ليس عارفا لله .. إنما عارفا بالله ..
فسبحانه الفاعل مطلقا .. فما نبعت اعمالنا إلا من إرادته التعرف إلينا .. وتعريفنا به .. تعريفا نسبيا متفاوتا كما نطيق لا كما هو علي وجه الحقيقة ..

لذا فالتعرف منه .. والتعرف ليس منوطا بالأعمال ..
وتعرفه إلينا وارد منه إلينا .. نحتاجه نحن حاجة حقيقية ماسة .. فإننا يعوزنا الانتماء إليه .. ونستمد وجودنا من اسمه الواجد ... وحياتنا من اسمه الحي .. وقوتنا من اسمه الرزاق .. ولا تستقيم نفوسنا دون التعرف إليه .. أو يمعني ادق دون تعرفه إلينا ..
لذا فوارد التعرف الحيوي منه .. لا يقارن بهدايا الأعمال منا ..

لذا فلا تبال يا عابث يا قليل الفقه إن فتح لك وجهة من التعرف بقلة عملك ..
فهو المنعم بالتعرف والمنعم بالعمل ..

اللهم خذ بنواصينا إليك .. وافتح منا حواس الروح لتغترف من تعرفك إلينا ..
اللهم ان القلب لا يقوي علي البعد عنك .. فقوه يارب علي القرب منك .. فلكلاهما وطأة لا تحتمل ..

هذه الحكمة معقدة بشدة وتحمل الكثير من اساسيات السلوك إلي الله .. وتحمل اشارات ولطائف ربما يصعب علي المتعمق فقهها .. فكيف بالقارئ العابر . من الحديث عن التعرف والفارق بينه وبين المعرفة .. والحديث عن هدية الأعمال ومعوزية الأوراد ...
ونورد ايضا احد مواقف النفري احد اشباه ابن عطاء في أزمنة موازية والتي تقارب معني الحكمة المذكورة هنا .. فكلاهما يكمل بعضه بعضا ..

((تعرفي الذي أبديته لا يحتمل تعرفي الذي لم أبده))

يقول الفتي في ملمح سذاجة : اريد أن اعرف الله .. ؟؟!
وأني له ذاك .. المعرفة احاطة بالمعروف .. والعلم احاطة بالمعلوم .. وأني لله أن يحيطه شيء .. وإن كان معرفة أو علما ..

يفكر الفتي قليلا .. ثم يقول في معرض حماقة : إذن اريد أن اعرف البعض عن الله .. أو ربما عن بعض الله .. ؟؟!

وأني للقديم أن يتجزأ ..
وأني للكمال أن يسمح بمعرفة منقوصة تنسب إليه .. الكمال لا يجيز النقصان في كل ما نسب إليه .. أو ليست هاء معرفته تعود عليه .. فأني به يقبل أن يعود عليه ما جاز عليه النقصان ..

إنما الصحيح .. أن تطلب أن يتعرف إليك الله .. أن يمنحك هو من تعرفه بصيص لا يحرقك ..
لذا جهدك ينحصر في تنقية قلبك .. وتنظيفه .. وتعطيره .. لأنه محل التنزل المقدس لمعرفته .. لأنه محل نظره ,

فلتهيأ القلب وانتظر الوصول ...

واعلم دوما أن ما منحك الله من التعرف إليك .. يحترق .. يذوب .. يتلاشي .. إذا وضع في كفة التناسب مع ما حجبه ..

فوالله .. لو زال حجابه .. لانمحي الكون قبل وجوده .. وإن زال ما حجب به عنك مزيد التعرف اليوم.. لما خرجت بالأمس من العدم ... ليتعرف إليك ..

إرسال تعليق