السبت، 15 فبراير 2014

رسالة في تأسيس فقه العبث


الله لم ينف العبث عن الكون
نعم لم ينكر الله احتمالية ان يصاب الكون بالعبث .. ولا ان تنتقل عدوي العبثية إلي المجتمع الانساني
هو قد نفي ان قد تلوث فعل خلقه هو بالعبث ..بدءاً وغاية .. لم يجعل الله العبث جائزاً علي خلق الانسان ولا غائيته ومردوده .. نفي الله العبث عنه وعن اقداره وعنايته بخلقه .. نفاه عن ألوهيته وقيامه بمقتضيات ربوبيته ..
ولكنه في معرض نفي العبث عن كل ما نسب إليه وكأنه
يثبته للبشر ومجتمعهم وعالمهم الوضعي .. ذاك العالم العبثي العابث .. عالم بلا قواعد   بلا ثوابت .. بلا اسس ليستند عليها .. عالم متميع القيم ومتلون المعاني .. عالم نسبي في مقابل عالم الغيب المطلق ..
عالم البقاء فيه للأبقي .. للأصلح .. لا مكان فيه للضعفاء واصحاب الصفوف الأخيرة .. أو ربما بالأحري ان نقول أنه قد احتواء الضعفاء رفاهية .. وازاحتهم مجانية .. واصبحت مآسيهم مجرد مادة دسمة لترفيه السادة والصفوف الأولي في تراجيديات السينما والمسرح والأدب ..
عالم يقوم علي مرتكزي الجنس والمال .. وكلاهما للآخر .. عالم يحركه الشبق والطمع فقط .. شبق الجسد وطمع الدولار .. كل انشطته بصغيرها وكبيرها  .. جماعيتها وفرديتها تنبع من احدهما او كليهما وتتجه نحو احدهما او كليهما .. حتي اختصر ابداعه الثقافي والفني باسره فيهما .. فتسلعت قيم الحق والجمال والخير .. وتشيئت المعاني الإنسانية العميقة التي لم ينشأ الإبداع إلا ليتناولها ..
واصبح رواد عالم المال هم المتحكم الأخير في آلة التسليع والإعلام وكذا الصحة والسياسة ..
ليصبح الإنسان سلعة .. وقيمه سلعة .. وحاجاته سلعة ..

إننا نحيا في عالم عبثي وتلك حقيقة لا تصطدم مع النفي الرباني في القرآن (أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا)

إن الله قد منحنا في صور الدين المختلفة ومن بينها النسخة المحمدية للإسلام منظومة متكاملة متناسقة متسقة مع نفسها ومنسقة لغيرها .. معادلة كاملة للحياة بصورتيها الفردانية والاجتماعية ..
وتلك المنظومة وحدها بتوحد مصدريتهاا مع مصدر منظومة الكون المادي .. ومصدر منظومة الكون الداخلي للإنسان (الكون النفسي المعنوي) .. فكلهم نبع من الله .. لذا وحدها هذه المنظومة تتناسق في تناغم كامل مع باقي المنظومات الكونية تلك لتمنع المجتمع البشري عن تلك العبثية الطاحنة ...

ولما أبي الإنسان الانصياع لذاك المنهج .. وتبني هذه المنظومة .. وتنكر لذاك التشريع بصوره المتعددة .. محاولا أن يصنع معادلته الخاصة ويضع منظومته الوضعية المبتكرة .. كآلة تمردت علي مبرمجها مقررة أن تخترع لذاتها بذاتها برنامج تشغيل كامل (سوفت وير ) ينسق حياتها وحياة مثيلاتها بل وتفاعلهم مع الكون وتفاعل الكون معهم .. وأني يكون لها هذا ..!!!

الله قد نفخ في الطين الأرضي الإنساني من روحه .. ليصنع منه نصف الهي ونصف أرضي .. امتزاج سماوي مادي ..
ولكن الإنسان أراد أن يكون إلها كاملا لا نصف إله .. لم يقنع بتلك النفخة التكريمية من روح .. والتي منحته أبعاداً خاصة من الألوهة ..
أراد أن يصير إلها ويأخذ حق التشريع الفوقي .. فأخذ يبتكر منظومته ومنهجيته التشريعية المخترعة .. والعجيب في الأمر أن الإنسان في سعيه ليكون إلها خالصا تجلت في ألوهيته أعماق أرضيته .. فكانت تشريعاته مادية سفلية بشكل غرائبي ..
ففي تجلي البعد السماوي في الإنسان ووتضخم البضعة الألوهية فيه .. دمر بنفسه سماويته ونورانيته وبعده الإلهي ذاته .. وأعلي من شأن أرضيته وأخلاق العبيد فيه ..
وكأن أرضيته قد مكرت به فاستغلت بعده العلوي في تشريع منظومة وضعية مشوهة تقتل البعد العلوي ذاته أو تجعله أسيراً وأداة في يد البعد الأرضي .. الذي صار وحده المتحكم الكامل ..
لقد رفع الإنسان سفليته وخفض علويته .. أله الأرض فيه .. ودفن السماء منه ...!!!!!
وتلك قمة العبث .. الجمعي والفردي معاً ..
تشويه لقيم الإنسان ذاتها ,, وتشويه لآليات الاجتماع البشري أيضا .. فأني تكون له الراحة .. ذاك المسخ المقلوب ..
................

وهنا نقطة صادمة أخري .. هي لب الموضوع وغايته ..

إن محاولة البشر كأفراد قبول المنظومة الربانية والمنهج الديني في إحدي صوره وتطبيقه علي أنفسهم وحياتهم واتصالهم بالكون وبالأخر بشكل فردي أو شخصي وبمنأي عن ذاك الإعورار العالمي العبثي العابث هو سطحية وضحالة عقلية تضيف عبثا علي عبث ...!!!!
نعم .
فالمنهج القرآني والديني عموما كما أسلفنا هو منظومة شاملة متكاملة متداخلة ,, يتراكب فيها الفردي مع الإجتماعي مع الكوني .. ومحاولة عيشها وتطبيقها وانزالها موضع التنفيذ والتشرب مع تشنج المجتمع ورفضه لتعميمها بعلمانيته المستترة لا يؤدي إلا إلي مزيد من الحيرة والعناء والاصطدام الفردي العابث الخاسر .. العبثي ..
لذا فالحق في أحد طريقين لا ثالث :
الأول وهو الأولي :
خروج االجماعة المسلمة التي تتبني هذه المنظومة وتطبقها بشكل تكاملي شمولي وبمقاديرها الكاملة .. تخرج هذه الجماعة التي تتبني ها المنهج وتطرحه كبديل مجتمعي وعالمي كامل .. تتبني في طريقها لنشره واللدعوة إليه منهجية الرعيل النبوي الأولي في الدعوة للمنظومة وتكوين نواة الدولة ,, بدءا من الفرد وانتهاءا بالمجتمع .. والارتطام يوما ما بالدولة العابثة القائمة فعليا .. رافعة راية بديل حضاري .. ومنهج موازي للحضارة العابثة القائمة ..
وعلي هذا الطريق انبني نصف التشريع الرباني والنبوي الداعي إلي الجهاد والاصطدام الخشن مع الجاهلية .. واحاديث الفتن الداعية إلي نبذ الوهن ورفع الراية وعدم الرضا بالدنية وذم الاعتزال والأنانية والداعية إلي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ...

والطريق الثاني :
في غياب هذه الجماعة أو تشوه الجماعات التي تحاول أن تقدم من نفسها بذرة لهذه الجماعة المسلمة التي وعد النبي بوجودها وبقاءها في كل زمن حتي نهاية الزمان (لا تزال طائفة من أمتي علي الحق ظاهرين لا يضرهم من خالفهم )
في غياب هذه الجماعة يصبح التشريع الفردي شخصاني اكثر (يكتسب صفة نسبية متفاوتة) .. مبدأه يتراوح بين جناحي القابض علي الجمر متوازيا مع استفت قلبك ..
تشريع وفقه يمزج بين المقاصد والتوقيف .. بين الإذعان والفهم .. بين الشريعة والحقيقة .. بين تقديم النقل وتقديم العقل ..
تشريع يتمكن من اختزال الفقه الصارم إلي رخص فردية نسبية غير عمومية مؤقتة في غياب الجماعة المسلمة والدولة المسلمة ..

وهنا موطن الخطر .. فالطريق الأول يصطدم ويحارب بشدة من جهة فقهاء السلطان ..
والطريق الثاني يصطدم بشدة ويحارب من جهة فقهاء النصوصية والمتسلفة ..
الفقيه الأول يبرر ويشرع  لوضع عبثي قائم ويمنع الخروج عليه ويصف الجماعة المسلمة بالخوارج والتكفيريين ويتناسي فقه الاصطدام الخشن مع الجاهلية  ..
والفقيه الثاني يتشدد ويقيد ويغفل جوهر النص وروحه ويتعنت في غياب المنظومة المتوازنة التي يصبح فيها الفقه والتزامه واقعيا وقابلا للتحقيق .. ويصف اصحاب الطريق الثاني بالمتميعة والليبرالية والتجديف والباطنية ..

  إننا مطالبين بالإذعان والتنفيذ في التشريعات الفردانية الخاصة والشعائر التعبدية .. أما في التشريعات الداخلة ضمن المنظومة الكبري والمتداخلة مع التشريعات المجتمعية والمتقاطعة مع المنهج الذي يقتضي وجود دولة .. فعبث هو تطبيقها داخل مجتمع يأباها ويأمر بغيرها ويحاسب علي ذلك .. إلا في أطار جماعة تتبناه كمنهجية بديلة وقادرة في ذات الوقت علي الاصطدام والدفاع عنها ..

تماما كما كان في رعيل النبوة الأول .. لا تشريعات مجتمعية في المرحلة المكية (مرحلة الرفض المجتمعي والجاهلية الوضعية القائمة والقوية) .. إنما فقط بث للعقيدة وتشريعات تدخل ضمن اطار الشعائر أكثر من كونها تدخل ضمن تصنيف التشريع ,, ومنهج ذهني شخصي ..  متوازيا مع وضع اللبنات الأولي لانشاء الجماعة المسلمة التي تتبني المنهجية الشمولية وتصطدم بها يوما كبديل حضاري مع الانحدارة القائمة فعليا ,,
أما في المرحلة المدنية .. محرلة قيام الجماعة والدولة .. جاءت التشريعات المجتمعية تمتزج بالتشريع الفرداني .. في نسق شامل متكامللا قابل للتحقيق ..
لذا لا نعجب الآن إن وجدنا من يشكك في صلاحية الاسلام للتطبيق .. أو أن نري من نفور بعض أهل الإسلام أنفسهم من بعض التشريعات الإسلامية لأنهم اقتطعوها من الصورة الكاملة ولم يقفوا علي ابعاد المعادلة بأسرها أو يدركوا هذه المرحلية .. وظنوها نصوص جامدة قابلة للاجتزاء أو العرض خارج بروازها العام ..ولم يقفوا علي حقيقة أزلية أنه لو أراد الله التطبيق التعسفي الفوري لأنزل كتاب تفصيليا علي مرة وحيدة دون الحاجة للنبوات والقدوات المرحلية تلك ..

وكأنني أقول مجترءا بأن التشريعات الصادرة في المرحلة المدنية والتي تعد جزءا من اطار عام كامل متكامل متوازن .. هذه التشريعات وكأنها تسقط في حالة غياب هذا الإطار .. في حاللة غياب الخلافة أو الجماعة او الدولة المسلمة أو ايا ما كان مسماها .. ويطالب الفرد حينها بالشعائر الفردية وفقه خاص من التشريع الفردي النسبي .. مطالبا في ذات الوقت ببذل الوسع لقيام الجماعة المسلمة لتطبيق المنظومة وصياغة الإطار العام لتفعيل هذه التشريعات المؤجلة مرحليا ..
وهذه اشارات اجمالية ولو عددت الأمثلة لرميت بالكفر وانكار ما هو معلوم من الدين بالضرورة ..

إلا أنني اشير مثلا أن تشريعات الزواج والطلاق والعفة والطهارة والحجاب والمحارم وحدود العلاقة بين الرجل والمرأة .. وكذا حدود الزنا والقذف والإيلاء والظهار وغيرها كلها جزء من منظومة واحدة متكاملة متوازنة تقطع من ناحية وتصل من ناحية .. تتشدد في ناحية لحكمة ما وترخص في اخري لتحقق التوازن والاتساق .. كل  داخل اطار منهجي عام لو اختل منه جانب لغياب التطبيق .. فلابد من سقوط بعض الجوانب الموازنة له .. أو الخروج بفقه نسبي جديد يحقق التوازن ..
فحين يتوقف التفعيل الحقيقي لمنظومة الزكاة والصدقة ومصارفها وتولي الدولة المسلمة لهذا الأمر مستخدمة قاعدة بيانات مواطنيها كجزء من منظومة الاقتصاد الاسلامي الشاملة .. لا تطالب المواطنين بتطبيق الجوانب الأخري ممثلة في تحريم الربا وفقه البيوع وإلا فإنك تطالب بانتحار ذهني حانق للاسلام في القلوب وتعشش النفور والزيغ .. وتمهد الأرض لبذور الإلحاد ..
الإسلام يا سادة ليس منهجا لترقيع مناهج البشر .. نأخذ منه البعض ونترك البعض .. وليس تعديلات انتقائية تدخل علي النظم الوضعية ..
أنما هو منهج عزيز متسق قلئم بذاته لا يحتاج غيره .. يطبق بقاعدة الكل أو لا شيء ..
إما أن يطبق كمنظومة متكاملة .. يأخذه المجتمع ابتلاعا كاملا بجميع جوانبه المتزنة .. أو يتركه ككل ولا يصنع نسخة مشوهة من هذا المنهج ثم يحاكمها علي تقصير أو عوار متهما الإسلام نفسه بعدم الأهلية للتطبيق ..

لذا فالخلاصة أنه يسقط مع سقوط احد جوانب المنظومة الإسلامية وجوب الانصياع النصوصي الصارم للتشريع المقابل في المنظومة .. ولكن مع وجوب السعي لتكوين الجماعة المسلمة التي تقدم البديل الحضاري المتكامل ممثلا بتطبيق الإسلام في صورته الشمولية .. علي اساس قاعدة (الكل أو لاشيء)

وهكذا قام فقه جديد .. هو فقه العبث والنسبية ..

إرسال تعليق