الأحد، 25 يوليو 2010

أصوات ... وأصوات

كنا في صلاة العصر .. الركعة الثالثة ..
وفجأة ...
سكن كل شيء ..
اندهشت ..
فالمفترض أن يكون كل شيء ساكناً بالفعل .. فالصلاة سرية .. والمسجد صغير .. فكيف لا يكون ساكناً ..
علمت حينها أننا قد اعتدنا الضوضاء حتي نسينا طعم السكون ..
فنستنا السكينة .. تباعاً ...

فحين انقطع النور في الركعة الثالثة .. توقف التكييف .. والمراوح .. والمايكروفون بزنته الخافتة .. كل تلك الأاشياء تصدر ضوضاء عنيفة .. لا شعورية .. تؤرقنا تقلقنا ... تمنعنا من الخشوع .. وتمنعنا من ذوق السكون ..
تمنعنا من السلام للحظات دون أن ندري أصلاً أنها موجودة ..

أصوات السيارات .. الماكينات .. الأبواب المصطكة في عنف ..
التلفاز شغال .. ومنطفيء بشحناته وذبذباته ..
المحمول برنته .. وصامته بالهزاز ..
الهمسات .. ال .. ال ..
لقد اصبحنا نحيا في حضارة الضوضاء ..


وقد اكتشفت هذا أخيراً .. فشتان بين أن تلعن حضارة الضوضاء .. وبين أن تذوق طعم السكون ..
وتحولت الصلاة علي غير المتوقع ..
فقد كنت أتوقع تذمراً من حر الصيف .. وضيق المكان .. ولكن للسكون هيبته ..
أتي خشوع أخاذ .. استولي علي المصلين ..

وكأن الإمام صار ملاكاً ذو هيبة ..
وكأنه حين انقطعت الكهرباء توقف الوقت ..
فهكذا الخشوع .. أن يزول الوقت .. وينمحي الزمن ..
كانت أجمل ركعة نهارية .. منذ أزمنة بعيدة ..
ركعة ساكنة .. في ضوء نهاري خافت يتخلل نافذة السمجد يسقط علي العين بحنو .. كمسحة سكينة ربانية ..

رنت في اذني أيه ..
" وله ما سكن في الليل والنهار "

وأتتني أحاسيس الظلمة اليلية .. والتنزل القدسي في جوف الليل .. والسكينة المتكومة هناك في السحر تنتظر دوماً من يقتطع منها قضمة ..

تمنيت لو انقطعت الكهرباء للأبد .. أو بنوا لنا مساجد في الخلاء .. بلا طرق محيطة .. وبلا كهرباء .. وبلا صوت إلا صوت مياه رقراقة تتدفق علي كفي متوضيء في الميضة .. وأرجل محتكة في تجانس ركوع متزامن لصف مرصوص ..

تذكرت ما حدث بالأمس بعد العشاء ..
فقد انقطعت الكهرباء ايضاً ولكن بعد الصلاة ..
ونزل ظلام كثيف .ز ظلام لا تميز فيه أصابعك . أو حتي اتجاه القبلة ..
علمت حينها كيف هي .. صلاة العتمة ..

وكيف رونق الليل .. وبهائه الأاسود .. وكاريزما العشاء الحقيقية التي تاهت منا ..
ولدقائق قبل أن تلمع أضواء الموبايلات .. اقتنصت قضمة أخري من السكينة الساكنة .. الرابضة في ظلمات النفس تنتظر غوصاً داخلياً لنيلها ..
تنتظر اشعاعاً من الظلام الساكن .. لتضيء .. وحدها أراضي النفس المهجورة ..


بالأمس حين الأنقطاع .. حدث الاتصال .. قمت أقتنص ركعتي السنة في الظلمة .. ويالها من ركعات .. تشعر وكأنك لم تصل قبلاً ..
أه كم شوهنا جمالية الكون ..

ما أصبح أحدنا ينظر إلي القمر ..
فكيف تراه مع سطوع المصباح الفلورسنت .. وأباجورة الليل الحيادية السخيفة ..
لم نعد نشعر بدفء الشمس .. بجوار ضابط حرارة المدفأة المقنن .. الذي لا يحرق .. ولا يمنحنا ما يكفي من السمرة لنتغير .. أو لنتذكر بعد ايام أنا كنا في الدفء ..
المدفأء لا تمنحنا الذكري كالشمس ..
والمصباح لا يمنحنا النجوي كالقمر ..
والكهرباء لا تمنحنا ما يكفي من السكون .. لنتحرك بعدها ..

إن تضييعك للسحر .. وسويعات الليل الغابرة حين يتوقف صراخ الحضارة قليلاً .. لهو درب من الحماقة ..
ففي واقع الحياة الإلكترونية عديمة الجدوي الحالية ..

فقط في الليل الساكن نتذكر من نكون ..
نقتنص لحظات .. لنتعرف علي أنفسنا بصدق ..


لنخشع مقدار ركعة ........................
إرسال تعليق