السبت، 17 ديسمبر 2016

الحيلة الشيطانية وحقيقة الخديعة

وكان مما خدعنا به الشيطان .. وربما استخدم الأقدمون في خداعنا .. هو تصدير هذه الصورة بأن مدخل الشيطان الرئيسي إنما يكمن في الهوي !

حين جعلنا نظن أنه يأتينا بوساوس شهوانية فجة .. ومتطلبات بادية تصب في مصلحة الهوي ..
وهذا النوع من الوساوس الشهوية قلما تجده واضحا أبدا .. اللهم إلا لدي شريحة صغيرة ممن استحوذ عليهم الشيطان فأصبح يلقي لهم اغواءاته واضحة جلية غير متقنعة ولا متوارية ولا متلصصة إنما ساطعة التمركز حول الشهوة والهوي ..

أما في الأغلب الأعم من الحالات وفي الاخص لدي العقلاء والنخبة .. لا تجد الاغواءات الشيطانية بهذا الوضوح الفج .. حتي يخيل لأحدهم أنه قد قضي علي شيطانه ولم تعد لديه سوي رغبات نفسه لمعالجتها .. والحقيقة مغايرة تماما لهذا الأمر ..

وتلك هي خدعة الشيطان العظمي ..
أن يصور نفسه في أدمغتنا في مشهد الموسوس بالشر الذي يأتيك ليقذف في اذن عقلك نداءا بالارتماء في حضن شهوة ضخمة أو السقوط في كبيرة او فاحشة ..
ولسذاجتنا ابتلعنا هذه الخدعة .. وتشربنا هذا التصور الذي قصده ابليس بمكره ..

فليس الامر هكذا ابدا ..
وإعادة انتاج صورة الشيطان ومكره في ادمغتنا هي احد الخطوات الأساسية الأولي في تزكية النفس والاستعلاء علي الرغبة والدخول لمقام الاحسان ..
والاستعداد لمقام الحرب مع هذا العدو الخفي ..

ان الشيطان يا صديقي ليس استعراضيا (كالشخصية المسرحية المبالغة في تسول الأضواء ) إنما أقرب للانتهازية والاستغلالية النرجسية (الذي يحقق مراده دون ان يظهر وسائله !!)
لذا فهو لا يعلن عن نفسه بهذه الفجاجة غالبا .. ولا يظهر توجيهاته ونداءاته بهذا الوضوح والصراحة والاستقامة أبدا ..

إنما عادته التواري والإلتفاف والمراوغة !
هو يستخدم البرمجة والإيحاء والإشارات والخطوات التصاعدية الخافتة .. تماما كأي نصاب أو مخادع او سياسي محنك ..

بل هو يستخدم العقلنة والتبرير والرداء المنطقي كأحد أعظم حبائله ..


ان الشيطان بطول إقامته قد خبر نفوس بني آدم كأعظم ما يكون أطباء النفس .. بل بشكل يتعدي ويتجاوز ما وصلت إليه بحوث علم النفس البشري .
لذا لم يعد يضطر لهذا الشكل الفج من التوجيه ..

إنما دوما يغلف مراده ويخبيء غاياته ويواري دوافعه .. ويدخل إلينا من أبواب العقلنة اكثر من دخوله من ابواب الاشتهاء الصريح ..

هو يفتح مائة باب للخير .. لان وراءها تكمن بوابة أعظم للشرور ..
ويدفعك دفعا نحو طريق يبدو نورانيا ..لأن في نهايته تقبع هاويتك !

هو أقرب لأهل العقل والمنطق بإفساد استدلالاتهم .. منه لأهل الشهوة والهوي بمداعبة غرائزهم ..
فالمشتهي ترجي توبته .. أما الموهوم صاحب الضلالات الاعتقادية والمغاليط الذهنية فيعمل وفقا لها ويظن أنه يحسن عملا .. ولا ترجي له عودة في العادة !

لذا فافطن يا صديقي إلي حبائل الشيطان وحيله الرئيسية معك ..
هو يعقلن لك التوجهات اللامستقيمة .. ويحشد لك المبررات المنطقية .. ويناظر عقلك مائة ألف مناظرة في اليوم والليلة أكثر من كونه يوسوس لك بقضاء شهوة او سقطة بعصيان واضح الشر ..

هو رغم ضعف كيده وتهاوي مكره .. إلا أنه صبور متدرج .. حثيث الخطو متباطيء البرمجة .. غير متعجل ولا متهور ولا يفسد طبخته بالاستعراض أو استعجال النتائج .. !


فإن كنت من أهل التعقل .. فاعلم أن العقلنة والتبرير ومنحك الاسباب ومناظرة رؤيتك هو وسيلته لاسقاطك ..

لذا لا عجب ان تجد اهل العقلانية هم الأقسي قلبا احيانا .. أو الأبعد عن متابعة الشعائر والعبادات .. أو الاكثر تغافلا عن تنقية القلب وصون النفس وتزكية الروح ..

واعلم أن اساس تزييناته هو منح الشهوة بعدا عقلانيا .. وصبغ الشر بصبغة نفعية .. وتغليف الهوي بقناع المنطق ..
وترويج الاغواء بوشاح اجتماعي مقبول ..

بل إنه قد أسس لكثير من حيله وبذر أعشاشه ودجن خدعه في كثير من زوايا الحضارة والتقدم والعلم والأنسنة ..

واللبيب بالإشارة يفهم ..
posted from Bloggeroid
إرسال تعليق