الجمعة، 2 مارس 2012

انتحار 3 .. SUICIDE (EP03)

اخدتي فتاويهم .. وحاكمتي روحك وقلبك بمعاييرهم .. بل وصل بيكي الامر انك في النهاية تقتصي .. بأنك تحاكمي افعال ربنا .. بمعيار افعالنا .. وتوزني حكمته المطلقة في خلقه بميزان المخلوقين العاجز الناقص بعجزهم ونقصهم ولا محدوديتهم ..

كانت تهز رأسها بحنو .. مع همهمات التفهم .. يتطاير شعرها بفعل الهواء المتآمر مع الهوي حول عينيها فترفعه في مؤامرة هوي وهواء  لاسقاطي فيها .. قبل أن تسقط هي من الشرفة ...


شردت قليلا مع دخان السيجارة المحتضرة ... تماما مثلها .. سيجارة علي سور الشرفة الفاصلة بين شفتي وشفا السقوط .. ربما كانت تذكرها بها ..
- مش لاقية سبب عشان اعيش .. ليه اعيش .. ليه اخوض التجربة الغريبة اللي اسمها الحياة .. معنديش اي حاجة تربطني بالدنيا .. تجبرني اني اصحي من النوم الصبح .. معنديش اي حاجة شداني لجوه ..ليه مسبش نفسي للاسفلت اللي تحت ده ..!!

منحتها بعض الصمت للحظات .. لاتمكن من استشفاف ماهية حديثها .. أهو سؤال .. أم تقرير .. أم ربما طلب خفي لاعطيها ما يكفي من الاسباب لتحيا .. ولكني لم افعل ..

- مش هو ده السؤال .. مش هل لديك ما يكفي من الاسباب للحياة ؟؟.. لأ السؤال اللي انا عاوز منك اجابة عليه .. هو هل لديك ما يكفي من الاسباب لتقفزي .. هل لديك ما يكفي من الاسباب للموت ..؟؟ .. هل ترين انك ستحصلين علي قصاص من الكون بارتطامك بالاسفلت ؟؟.. هل انت شايفه انك حتاخدي بتارك من الدنيا بفرقعه عضمك علي ارضها .. 
متقلقيش الارض مش حتتهز .. لن يقوم لك زلزال بالغد .. ومش حتخرج الكرة الارضية عن مدارها .. بل الاكتر من كده .. انه رغما عن احبائك لن يبقي صوت ارتطامك يدوي صداه بالآذان طوال العمر ..


انت عارفه .. انا لو مكانك ... وياريتني كنت مكانك .. كنت ححول غضبي ده .. وصوت ارتطامي الانتحاري المترقب ده إلي طاقة غير عادية .. طاقة حياة .. طاقة اللي ماشي في الحياة وهو معندوش حاجة يخسرها .. طاقة العائد من الموت .. طاقة من وقف يوما علي شرفة .. علي خيط بين الموت والحياة .. يحب الموت اكثر ولا يعبا بالحياة .. ولكنه اختار ان يدوي ارتطامه كل يوم بأذن الكون ..
كنت حخبط بصدي صوتي كل صباح .. مع اشراقة كل شمس بودان الدنيا .. كنت حخش كل يوم واحتك بكتف التقاليد الغبية .. كنت حكون نفسي لدرجة اني متزوقش عشانها .. لوكانت الدنيا مش قابلاني .. حكون كل يوم صوت نشاز يبرجل استماعها لهارمونيا القوالب اللي بتصنعها من الناس .. 
حكون لون فاقع .. ومش لايق علي فستان الحياة المرقع .. بقتل احلام البشر .. 
حكون ريحة خاصة .. نكهة خاصة .. نبرة خاصة .. 
حكون نفسي .. حدوق الحياة بطريقتي .. بلساني أنا .. 
مش حكون بني آدم معلب .. خارج من ميكنة الحياة .. قالب اجتماعي لطيف .. بالمواصفات القياسية .

لأ حشوف الدنيا بعينيا أنا .. واسمعها بوداني انا .. وافهمها بدماغي أنا .. 

يابنتي لو كنتي متضايقة من الدنيا .. صوت ارتطام واحد لن يثأر لبراءتك المغتالة .,.,
لأ .. اسمعيهم كل يوم صوت اراتطام جديد .. بهم .. وبها ..
خلي الكون يعرف ان زي ما الشمس بتشرق .. وبتنور ..كل يوم .. برده ليه معاد مع بني ادم بيكون نفسه .. بيتبع قلبه .. عايش معادلته الخاصة .. وماشي بصيغته .. بطريقته .. مخترع مذهبه هو .. 
له معاد مع جرأته .. كل يوم ..


.... وهنا ازداد بريق عينيها .. شعرت حينها انني وبعفوية استطعت صياغة ما عجزت عن قوله لنفسها .. انني بدأت أحل شفراتها .. وافك اكوادها المستغلقة .. اسلط الضوء علي مساراتها وزواياها المظلمة ..


- حسمحلك تدخل .. بس علي شرط تديني سيجارة  ... 
قالتها وهي تتأملني أنا متجاوزة السيجارة .. تحاول ان تغوص داخلي .. تطلع علي الداتابيز التي اقتبس منها حديثي .. شعرت وكأنها تحاول أن تفهم مني .. مالذي جعلني أموت عشرين ميتة قبل أن اقرر أن احيا .. 


- ومين قال أني عاوز ادخل .. ؟؟؟ .. أنا عندي مشكلة اسمها اكروفوبيا .. وهي فوبيا المرتفعات .. مش بدخل بلكونة بيتنا عشان انزل السبت .. عاوزاني ادخل بلكونة في التامن وفيها واحدة بتنتحر ؟؟!! .. يفتح الله .. 

قلتها بعصبية .. مستحضرا تلك البرودة السارية في يدي .. والشعور العاصف بالدوران .. واحساس مقبض بأن السماء تقع .. حين ألمح مرتفعا .. فما بالك .. بكوني فوقه ...!!!


ابتسمت بصدق .. ابتسامة حقيقية ... وكأنه سرها أن تجد لي نقطة ضعف .. وكأنها وجدت ثغرة لتسترد مني دفة الحديث  ثانية..
- طيب ايه رأيك أني اعقدك اكتر .. حعقد معاك صفقة .. انت حتخش دلوقتي وتقعد جنبي علي السور .. وانت بتكلمني .. عشان اقدر اصدقك .. عشان اقدر اصدق ان كلامك مش مجرد تنويم مغناطيسي أو حد مقنع جايبينه عشان يقنعني بالنزول ... وهو لا يهتم أموت أو اعيش .. والا حنط دلوقتي وقبل حتي ما تكمل جملة رفضك للصفقة دي .. واحملك ذنبي ؟؟!!


شعرت بجديتها في الطلب .. رغم الابتسامة الظافرة اللامعه فوق اسنانها الرخامية البيضاء .. 
كانت جميلة في قوتها تلك .. شهية للغاية وهي تمتلكني .. تضطرني للقبول .. 
مغوية في استغلالها لمكامن الضعف داخلي .. لتجبرني علي تحدي غرائزي ..

وجدتني في تحدي غريب .. ربما حركه داخلي تلك القطبية المستفزة بين رجل الانقاذ .. وامرآة مستغيثة ... انقلبت صورتهما .. لتصبح هي الأقوي ... 

- حعملها بس بشرط .. صفقة تانية .. حنتكلم في تلات حاجات .. لو اقنعتني بأن الموت فيهم اولي .. سأقفز معك .. ولو اقنعتك بأن الحياة فيهم اولي .. تعودين معي .. 


ارتفعت ضحكتها بطفولية عابثة مرددة :
- مجنووون .. والله جايبنلي واحد مجنون .. قال يعني انت حتنط فعلا لو غلبتك ..

قاطعتها في حزم :
- اقسم بالله العظيم يا مروة .. حنط معاكي مش بس لو اقنعتيني .. لأ حتي لو مجرد مقدرتش انا اقنعك انك تفضلي ... معايا ..

اقتربت من باب الشرفة الموارب بهدوء حذر .. ولكنها استوقفتني بسؤال .. خارج الاطار :
- مقولتليش .. هو انت اسمك ايه ؟؟!!

يتبع في الادراج التالي .............

إرسال تعليق