الجمعة، 22 أبريل 2011

هكذا علمني الفأر ..


هي يد الله تعمل .. وحكمة الله تتجاوز المنطقيات ..
"ومن حيث لا يحتسب .. يأتي الرزق .. و"من حيث لم يحتسبوا " آتاهم الله بالعذاب ..
فليقف العقل عند حدوده .. ولتحجم العقلانية عن هوة الغيب .. وليصمت التدبير والتخطيط أمام صدي الأقدار ..

هو الله .. حين يريد أن يرسل رسائله .. وما يعلم جنود ربك إلا هو ..

فأر صغير .. رمادي .. غائر العينين .. حمل رسائل القدر خمسة ايام متتالية إلي بيتي ..

فأر صغير استطاع أن يقلب البيت رأساً علي عقب .. ويقلب راس أهل البيت ويدفعهم نحو إعادة الحسابات الإيمانية ..
فأر صغير قد لا يتجاوز طوله العشرين سنتميتراً ووزنه بضعة عشر جراما .. استطاع أن يهز تكتلات لحمية متأنسنة هزات افاقة قد لايصنعها زلازل بقوة ذات الطول علي ريختر ..

من حيث لا نحتسب .. دخل بيتنا بالدور الخامس ... مع كل احتياطاتنا التحصينية .. ولكنها رسائل الله التي يحملها الشهيد .. تخترق الحجب ..
ومن حيث لا نحتسب ظهر علي غفلتنا .. طرئ علي اعتيادنا الروتين اليومي .. قفز علي ألفتنا حياة الأرض .. ودوامة الأرض .. وساقية الأرض ..
من حيث لا نحتسب خرج ليقلب ليل التناسي يقظة .. فربما قد لا يفلح منادي الفجر في افاقتك .. فيفيقك فأر يأكل دولابك .. أو اوراقك الثمينة ..
لتعيد هنا ترتيب حساباتك .. حينما تلمح تلك اليقظة في عينيك .. رغم أنك لم تذهب للفراش إلا منذ ساعتين .. ولكن أيقظك الفأر .. واقلقتك أشيائك .. وشعرت بعدم الارتياح في النوم بجوار كيان صغير كهذا ..
تعيد ترتيب حساباتك .. ايهما اثمن .. أوراقك أم مرضات مولاك ..
خشب الفراش المتآكل ... أم آيات القرآن المتفلتة من صدرك ..

لماذا استيقظت الآن يا فتي .. بل وقبل موعد الآذان بساعة ..
يا إلهي .. أهو جوف الليل الغابر ..
أهو وقت السحر ..
لماذا أصبحت تشعر أن السحر هذا هو للفارغين والعاطلين ..
ولماذا اصبح عمل الصباح في منطقة ما بغيضة من النفس أكثر أهمية واعلي اولوية من ناشئة الليل ..
رغم أنها بضمان الصانع .. اشد وطأة وأقوم قيلا ..
وما أمر بها إلا أولئك الذين لهم .. "في النهار سبحاً طويلاً "

هكذا علمني الفأر يوماً .. أنك قد تستيقظ لمصيبة .. أو لجائزة .. قبل الفجر ..
ولكن تثقل عن القيام للدخول علي مالك الأرض والسموات المنادي بالسحر .. لبيك ..
والمنادي بالصبح .. الصلاة خير من النوم .. وفعل النوم فيك يكذب نداءه ..
تلك رسالته الأولي ..
فقد كان لقائي به قبيل الفجر بدقائق .. بتقدير رباني ..

وعلمني التواضع ..
يأيها الإنسان  ... بحلته الأنيقة .. وكلماته المنمقة .. ومكانته .. و .... و....
قيمتك عند نفسك احياناً تهرب منك .. تنمو سرطانيا .. تتعملق علي حين غفلة من انكسار للمولي ..
تتعاظم .. تكبر في مرايا الصدور صورتها .. فنظنها حقيقتها ..
ننخدع حيناً بثناء جميل .. أو مجاملة ما .. تصعد علي اكتاف المديح اقزام الصورة الذاتية ..
ثم يأتي فأر يقلق نومك .. يدلف إلي حلمك .. تصرخ منه زوجك في الفراش فينغص عليك راحتك ..
يعدو وراء .. وخلف .. وداخل .. وتحت .. وتكاد تصرخ في مطاردته جهدا ..

تشتري سموماً بمئات الجنيهات .. مصائد ذهبية ملونة .. ألصقة مستوردة ..
تتفذلك في وضع الماريفان علي الخيار عله يصيبه بنزيف في المخ ..
وهو لا يأكل المسموم وينتقي اطايب الطعام كشيف سويسري .. ويدخل ويخرج من المصيدة كسجين ألكاتراز السينمائي ..
يمنعك من أكل فواكه سفرتك المستوردة تقززاً .. ويمنعك من التلذذ بطهي متكلف متنمق ..
يجبرك علي سندوتشات الفلافل خارج البيت ... فهو لم يمر عليها .. بأقدامه الخماسية المقيئة ..
وربما مر عليها غيره ..

فأر صغير .. بمعني اقرب .. يستوطن بيتك .. يحتلك .. ويطردك .. ولم تزل في بيتك ..

تماماً كالنمرود الذي ملك الأرض .. ودخلت ذبابة اذنه واستوطنت أم راسه .. فما يستريح حتي يضرب علي راسه بالنعال من طنينها الداخلي ..
ياللأنسان الصغير الضعيف ..  نملة علي طبلة الأذن تجعله يصرخ في عيادة الأنف وأذن المجاورة ..
وشوكة سمك صغيرة في الحلق منبتة تحتاج منظار وتخدير ..
وحرقان بوله يبكيه ..
وانسداد انفه بمخاط الانفلونزا يشيطه غضباً ..
ولم يزل رغم كل هذا الضعف المتكوم بشراً يتجرأ علي الله بالعصيان .. وكأنه يقوي علي النار ..!! .. أو ذرة من غضب القهار ...!!!

وتلك رسالته الثانية .. تواضع قبل أن تجبر علي الذل

وعلمني .. أنه ما اصابك من شيء إلا بذنب أذنبته ..
قال الفضيل بن عياض رحمه الله : إني لأعرف أثر ذنبي في خلق امرأتي ودابتي وفأرة بيتي ..

نعم ذكر الفار بالنص ..
بالذنب دخل .. وبالذنوب من السموم كان يحذر .. وذنوبك كانت خرائط هروبه في بيتك .. وذنوبك كانت مفتاح المصائد المغلقة ..
وذنوبك هي ما أرققك فعلاً ..
هي ذبابة رأسك الفعلية .. وقطيع جرذانك الجائع الذي يلتهمك ..
ولا مبيد لها سوي توبة ..

علمني الفأر أن أتوب ,,
وعلمني ايضاً أنه أحياناً قد لا تكفي التوبة لرفع البلاء ..
وأن بلاء وقع بذنب .. قد لا ترفعه التوبة ..
وإنما يرفعه عمل صالح بثقل الذنب بعد التوبة ..
وتلك كانت رسالته الثالثة ..

وعلمني ايضاً بذات النقطة أن استبشر ببلاء الذنوب ... فذاك خير ..
فإذا أراد الله بعبد خير عجل له العقوبة في الدنيا ...
"ولنذيقنهم من العذاب الأدني دون العذاب الأكبر لعلهم يرجعون "


وأن ذاك تكفيراً للذنوب .. وتصفية من سواد القلوب ..
"حتي الشوكة يشاكها المؤمن يكفر بها من سيئاته "



وعلمني ايضاً .. أنه ما من شيء في الحياة يساوي راحة البال ,, وما السعادة إلا مرادف اصلاح البال ..

وكثير وكثير من الرسائل اللالفظية قد حملها لي الفأر الشهيد ..  قد لا افطن لأثرها المباشر ولكني اعلم انه قد حصل لي في الداخل الكثير ..

وربما كان فأراً له من الأثر علي القلب ما يفوق ألف واعظ ..

جزاك الله خيراً عني أيها الفأر .. الذي لم يجازي علي إحيائي .. سوي بقتله ...

سلام يا مشمش ...


إرسال تعليق