الاثنين، 14 أبريل 2014

طلب الرؤية .. بين الأنس والتبجح




(ولما جاء موسي لميقاتنا وكلمه ربه قال رب ارني أنظر إليك قال لن تراني ولكن انظر إلي الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني فلما تجلي ربه للجبل جعله دكا وخر موسي صعقا فلما أفاق قال سبحانك تبت إليك وأنا أول المؤمنين)

(وإذ قلتم يا موسي لن نؤمن لك حتي نري الله جهرة فأخذتكم الصاعقة وأنتم تنظرون)

كلاهما قد طلب الرؤية ..موسي .. وبني اسرائيل ..
ولكن شتان بين أمنيتين ..بين أمنية الكامل الواصل الموصول .. وامنية المبتدئ الغر الساذج ..
موسي قد حركه الحب .. ملأه التوله والشغف .. فاض قلبه بالمحبة .. وحين كلمه ربه حركه الطمع لمزيد من الاتصال .. فكيف بالروح تقنع من الاتصال بالله .. وكيف لعطش القلوب أن يرتوي يوما من مناجاة المولي حتي يزهد في المزيد ..
موسي قد ملأه مجلس الأنس بالله وحضرة الكلام بالأمل والرجاء في مزيد .. قد دفعه الانبساط إلي طلب مزيد مشاهدة .. فطلب رفع الحجب .. ولم يكتف برؤية القلب .. فأراد رؤيا النظر .. (أرني أنظر) .. لأنه رأي قبلها بعين القلب .. وأراد أن يري بعين البصر ..

ولكن أني لأي العيون أن تنظر للذات ... أو تحتمل مطلق التجلي .. لا تدركه الأبصار .. كل الأبصار ..
عصي علي المدركات .. بل عصي علي الإدراك ذاته .. فالإدراك فعل إحاطة .. وأني له أن يحاط سبحانه ..
ولكن سكرة الحضرة توقف عمل المنطق .. ولذة القرب تنسي قصور الطبائع ..

وكان جزاء مزيد الانبساط .. الصعق .. ولكنها ليست صاعقة رؤية التجلي القاهر اللامطاق .. إنما فقط رؤية اندكاك من ادرك التجلي ..
ادراك الإدراك صعقه .. فما بالك بالإدراك .. ومشاهدة المشاهدة لم يحتملها جسده البشري فكيف بالمشاهدة ذاتها ..

لذا تبعت الإفاقة توبة .. هي توبة المقربين .. توبة تليق بالمقام .. توبة الحمد والتسليم بالتكليم والرضا والاكتفاء بالمقام الممنوح ..  والصبر علي سجن الدنيا المحال فيه الرؤية ..
(سبحانك) .. قد عاد إليه منطقه .. حين فرق عليه جمعيته .. وأعاده من حضرة التكليم النورانية إلي الناسوتية الإنسانية العاجزة فعلم استحالة ادراك المطلق .. وتعالي المولي عن تمام التجلي فكيف بالرؤية ..
توبة الخائف من أن ينزع من مقام التكليم ..

.........................................

أما طلب قوم موسي .. وكأنها صاعقة أخري تضرب موسي .. (جزاءا علي طلبه القديم) ..
ولكنها أمنية رؤية تفارق أمنيته .. فمنطلقها التشكك .. منطلقها التبين والاختبار .. منطلقها ندية الطلب وخمود جذوة الإيمان في النفوس ..
وشتان بين أمنية انطلقت من تعالي جذوة الإيمان .. واخري من خمودها ..
وإن تماثلت في الظاهر الأمنيتان .. فبون شاسع توجته النوايا والمنطلقات ...

والعاقبة واحدة .. الصعق ..
صعق المحب لموسي .. وصعق المعاقب لبني اسرائيل ..
صعق تربية لموسي .. وصعق تأديب لقومه ..

ومنح موسي الإفاقة .. التي اعقبها بفقهه توبة ..
ومنح بني اسرائيل البعث .. فعميت قلوبهم عن التوبة رغم تحقق اليقين المطلوب بصاعقة ترقب النظر رغم عدم تحقق الرؤية ذاتها ..

ربما هي ذات المواقف .. وذات الأمنيات .. وبينهما السماء والأرض .. لاختلاف المنطلقات والمرتكزات والنوايا والفقه والتوابع ..
فتدبر يا فتي ..
إرسال تعليق