الثلاثاء، 15 أبريل 2014

انقباض البدايات






ما سر ذلك الانقباض الداخلي الذي يظهر في بداية طريق التوبة والعودة إلي الله ..؟؟!!
أجمع الكثيرين أنهم يصابون بحالة من الضيق والاختناق والقلق واضطراب النوم احيانا في الأيام الأولي التي تلي التوبة (بلذتها) والعودة لطريق الله ومحاولة السير في طريق الحق ..
مما قد دفع بعضهم إلي ترك الطريق في بدايته والعودة للغفلة ..
لماذا تكون الحياة اليومية العادية احيانا لدي بعض الناس في الغفلة والعصيان اسهل واشهي واكثر انشغالا واقل تفكير وقلق .. ؟؟!!
لماذا يغامر بعض الناس بالبقاء علي الانشغال بالعصيان واللهو علي مواجهة الضيق النفسي في المرحلة الوسيطة من التوبة ...

دعونا نجيب ببساطة علي هذه الأسئلة ..
ولكي نوضحها لابد أن نؤكد أن الأمر نسبي تماما .. ليس قانونا عاما أو شاملا .. وأن أي شعور باللذة او الضيق إنما يكون مقارنة بغيره لا عموميا مطلقا .. إلا في مراحل متقدمة جدا من سلوك طريق الله ..
نقول أن التوبة ..ثلاثة مراحل .. تسبقها مرحلة ما قبل التوبة (مرحلة الباعث علي التوبة)..
-          مرحلة الباعث prodrome  وفيها يكون الباعث علي التوبة ضيق بحال الغفلة .. اضطراب يقذفه الله بالتوفيق في قلب العبد .. بداية بغض للعصيان وأهله .. يبعثه علي الالتفاف والعزم علي تنغيير حياته .. بداية حالة الندم علي الذنب ..
-          مرحلة العودة .. وهي وصول الندم إلي قمته .. والاقلاع عن الذنب واهله .. والتوجه إلي الله .. ويصاحبها الكثير من اللذة والسكينة .. والمتعة الفائقة .. التي لا تقارن بها أي لذة .. وقد تطول هذه المرحلة أو تقصر .. وقد تصبح فتنة في نفسها .. بل هي من اسس تفسير ضيق المرحلة الوسيطة ..
-          المرحلة الوسيطة plateau   وفيها يعتاد الانسان اللذة المؤقتة للتوبة .. حتي يتحرش بجرعات اكبر منها .. لم تعد ترضيه جرعات الخشوع .. بل اصبح الحصول علي حضور القلب في ركعتين امرا صعبا وقاسيا ... وهنا تبدأ مرحلة الضيق الانفعالي التي نحن بصدد التعرض لها
-          المرحلة الأخيرة .. انطلاق المسير .. وهي مرحلة الفقه والعزم علي المجاهدة .. والتجرد من الجانب الانفعالي في القربات .. وتمام الاتباع .. وهي المرحلة الوسيطة بين التوبة وبين مبدأ السير في طريق الله (المجاهدة والمراقبة) ..

لماذا يحدث هذا الضيق ؟؟!!
·         الشيطان في مرحلة العصيان يمنحك من اللذة ما يملأ به ذهنك ويشغلك به عن التفكر في عبثية هذا النمط الحياتي الذي تحياه .. وفارق ضخم بين اللذة وبين السكينة .. نعم قد يمحنك الذنب لذة .. تعتادها .. تصل إلي حالة التعود البدني (الإدمان) .. بحيث تخرج اندورفينات  وهرمونات النشوة في الجسم تباعا لها .. وحين يتوقف التائب عن افعال الذنوب والعصيان التي برمج جسده علي اخراج كيمياء النشوة نتاجا لها .. تحدث له اعراض انسحاب تماما كالمدمن والعاشق المشتاق .. اضراب وضيق بالصدر (احيانا اعراض جسمانية ) .. فهي اعراض انسحاب طبيعية تماما لاتباع الهوي القديم ..  WITHDRAWL SYMPTOMS  
·         اعلم يافتي انه لو كان الطريق لله مفروشا بالورود واللذات لكان منطقيا أن يكون السائرين فيه أكثر من السائرين بطريق الغي .. لأن النفوس جبلت علي اتباع اللذات وايثار المتعة .. فاعلم يقينا أن مبدأ طريق الحق والحقيقة وعر وقاسي .. وأن الجنة حفت مقدماتها بالمكاره .. وان السير إلي الله سمي جهادا لتطلبه الجهد .. وان الجزاء مترتب علي العناء .. ومفيش حلاوة من غير نار .. no pain ,no gain .. وطريق الله في بداياته القبض فيه اكثر من البسط .. والعناء فيه أكثر من اللذة .. والاغتراب فيه أكثر من الأنس .. ((لا يمنع هذا بعض التفضلات الربانية بنفحات ومسحات من لذة المناجاة وسكينة القرب)) ..  فلا تكن عبدا خبيثا لا يطيع إلا طلبا للطعام والأجر السريع .. يقف لحوحا علي باب سيده يسأل الأجر قبل السير .. 
ولابد للذهب حتي يخلص من النار .. وللحديد حتي يشكل من الحرارة والطرق القاسي .. ولابد للقلب الذي علته أدخنة العصيان وغبار الغفلة أن ينفض بقوة ليسقط عنه ذاك الران ..
فتقبل .. واستسلم لنفضات الملك فجرات الأمس الملتصقة بشغاف القلب ..
فإن قلبا أشرب العصيان لابد أن يعصر ويجفف ليخرج منه لوثاته (واشربوا في قلوبهم العجل)
·         وهي اختبارية الصدق .. بلاء للتمحيص .. امتحان للاخلاص .. فهذا الطريق عزيز عظيم طاهر .. لا يقبل النفعيين والوصوليين والمتسلقين واصحاب النوايا المغلوطة والقصد الملتوي .. يلفظ من البدايات متعجلي الأرباح السريعة .. لا يقبل سوي خطي من وصل شغفه بالسير والوصول حد احتمال الوجع كل الوجع .. وحد التخلي عن كل شيء حتي لو كانت نفسه التي بين جنبيه ..
·         ونقطة اخري .. يعد بعض هذا القبض نوع من انواع تشنجات النفس الاستغاثية التي باتت تشعر بخطر منع شهواتها المستقبلية .. نفس قد اعتادت أن تلبي لها شهواتها وامنياتها بأي ثمن ..  تفهم جيدا ان السير بهذا الطريق له ضريبته .. وتبعاته ومقتضياته والتزاماته .. وأن غرائزها وشهواتها هي الخاسر الأكبر من تلك المغامرة .. وأنه من لافتة الطريق تتضح معالمه .. جهاد للنفس .. ومخالفة لها .. واتهام لها .. واحيانا معاداة وقسر .. لذا فهي تحاول التملص .. التشبث بالأارض واللحم والتراب والحياة القديمة ... تنشب اظافرها في الأرض .. تقاومك .. تعاندك .. تمنحك الكثير من الضيق .. تعاقبك علي عزمك تطهيرها .. بالضيق .. باستغاثات تشنجية كصراخات الأطفال .. وصدق من سماها (إن النفس لأمارة بالسوء ) .. (النفس اللوامة )

اصبر يا فتي .. والزم الطريق .. ولا تتعجل الثمرات ..
فوالله لو علمت ما ينتظرك بعد خطوات قليلة (ناهيك عن منتهي الطريق ) لهان في عينك ما تجده من عناء وضيق طبيعي لازم ..
ولتوقن أنك لست وحدك .. وأن هذا الضيق صحي طبيعي .. تقبله وابتسم له ..
واعلم أنه ما من أحد سار في طريق الله إلا واصابه ما أصابك .. فمنهم عاهد وصبر وووفي .. ومنهم من كان يعبد الله علي حرف فإن اصابه خير اطمأن به .. وإن اصابته أولي الفتن كضيقك هذا انقلب علي وجهه خسر الدنيا والأخرة ..

(ومن الناس من يعبد الله علي حرف فإن اصابه خير اطمان به وإن أصابته فتنة انقلب علي وجهه خسر الدنيا والأخرة ذلك هو الخسران المبين)

إرسال تعليق