الأربعاء، 14 سبتمبر 2011

مش مهم





- مش مهم
قالتها بعفوية وتلقائية .. قالتها بشفافية .. قالتها بصدق .. وحق .. .... كل ذاك مشوب ببعض الحسرة .. بل بكثير من الحسرة ..
ذاك كان ردها حين اخبرتها أن الدهان الذي ربما يحسن من شكل حرق ابنتها بعد الالتئام يساوي مئات الجنيهات ..


تلك كانت أسرة فقيرة .. تحيا في حي فقير .. ربما لا يسمع عنه أهل مدينته نفسه .. وربما لا يدري محافظ المدينة عنه شيئاً .. وهناك كانت المستشفي التي أعمل بها يوما في الاسبوع ..
جاءتني بابنتها لغيار تجميلي .. طفلة تسمي جني عمرها لا يتعدي ثلاث سنوات .. بحرق بوجهها وكتفيها وصدرها .. حرق يتجاوز ثلث جسمها .. منذ ثلاثة أيام ..
والسبب كوب من الشاي .. جذبت البنت طرف المفرش فسقط الكوب بلهيبه .. ليشويها الشاي ..


لحظة .. هي لا تساوي من الزمن الكثير .. جزء من الثانية .. لا تملك التحذيرات أن تمنع .. لا تقوي الاحتياطات أن تحد .. ولا يستطيع الطب أن يعيد الزمان ..
لحظة ينزل  بها البلاء .. يتسلل فيها البأس .. بغتة ... مفاجأة .. علي حين غرة من التناسي ..
ينزل ليهز الروتين الدوار .. ويرج ألفة التراتب الحياتي البغيض .. ويصدع رتابة الساقية المتسارعة ..
ينزل ليجبرك علي التوقف .. علي اعادة النظر .. واعادة التقييم ..
ينزل كتنزل الوحي حاملا معه معايير جديدة للأشياء .. ومقاييس حقيقية للأفراد ..


ينزل ليعيد تشكيل أولوياتنا .. ليذكرنا بأنفسنا وبمن نحب .. ليعلمنا أن الموت لحظة .. والمرض لحظة .. والحادثة لحظة .. والعمر بأسره .. لحظة


ينزل ليجعل مئات الجنيهات اللواتي كانت تساوي الكثير والكثير لدي أسرة ما .. لا تساوي شيئا .. في بورصة البلاء ..
البلاء بورصة .. تعيد للأموال حقائقها الورقية .. ورق .. وألوان .. لا شيئ ..
ينزل ليجعلها تقول عن أي ثمن مش مهم ..




البلاء الذي سمعت منه شابا عشرينيا يقول خذوا مني كل شيء وامنحوني ساعة واحدة بلا ألم ..
وفتاة تصرخ .. أفعل ما تريدون .. فقط لأنال ليلة واحدة من نوم هادئ ..
وعجوز يدفع الألاف ليمر بوله من انسداد البروستاتا ..
وأخر ليمر الماء من انسداد بلعومي .. وآخر ليمر الهواء إلي صدره بانسيابية دون أنبوبة بلاستيكية وجهاز معقد .. وسجن سريري ..
البلاء يعيد الحقيقة للأشياء .. يرفع عنها الزيف .. يجردها من التجميلات التسويقية ..


وآخرون يمرون من الدنيا هكذا .. كطيف .. كنسيم عابر .. لا بهم ولاعليهم .. عيشهم كفاف .. وبلاءاتهم خفاف ...
أصلحوا قلوبهم .. فأصلح الله لهم بالهم ..
قنعوا بالقليل .. فوقاهم الله الكثير والكثير ..


كان يقينهم .. أنه ليس كل الرزق منح .. وإنما بعض السلب هو عين العطاء .. وبعض المنع هو ذات المنح ..
وأن ليس كل رزقك ما كسبت وحسب .. وإنما هناك الكثير مما وقاك الله أن يحل عليك كنت لتقول في سبيل رفعه علي الألاف مش مهم ..
اليس ذاك رزقا أيضا ؟؟
هل لك أن تتخيل منته بالعافية مما اصاب غيرك .. وينفق عليه الآلاف وأحيانا الملايين ..
أليست تلك الألاف ادخارات ربانية لك .. منعها عنك .. ومنع عنك أيضا ما تحتاجها من أجله بحق من البلاء ..


" طوبي لمن كان عيشه كفافا وقنعه الله بما آتاه "
"صنائع المعروف تقي مصارع السوء "


"وكان أبوهما صالحا "
ساق الله يوما نبيا وصديقا ليقيما جداراً حتي لا ينكشف كنز فتضيع علي غلامين بعض الأموال .. لأن أباهما كان صالحا ..
أفلا يقيهم ما هو شر من ذلك بصلاح ذاك الأب ..؟؟






اللهم اجعلنا عبيد احسان .. ولا تجعلنا عبيد ابتلاء ..
فبعض الناس لا يستقيم علي طريق الله بغير البلاء ..




بقيت كلمتها ترن في اذني .. تعلمني أني أملك الكثير والكثير .. حتي بما لا أملكه ..
وأن لدي كل منا في حياته ما هو أثمن من أن يتركه ليقفز في ساقية الحياة .. ودوامة السعي الخاوي ..
وان أحيانا بضعة مئات من الجنيهات تساوي :
مش مهم
إرسال تعليق