الأحد، 12 فبراير 2012

مشروع بلطجي (الحلقة الأولي)




كان يحمل داخله ثقبا اسود .. فراغ وحشي .. يلتهمه كل يوم أكثر واكثر ..

كانت الفجوة بينه وبين العالم تتسع .. تقتات عليه كل يوم أكثر ..
كانت غربته تزداد كل يوم أكثر ..

جرب كل شيء .. فلم يجدي معه شيء .. حتي الإحباط ذاته لم ينفعه كثيرا ..
 فترك الإحباط وقرر أن يخطو خطوة واحدة كل يوم ..
قرر أن يحلم عنوة .. أن يغرس في نفسه حلما قسرا ... قرر أن يصطنع الحلم ..
وأن يخطو كل يوم خطوة .. بسيطة .. خافتة .. رقيقة .. ربما لا محسوبة ..
قرر ألا يخطو نحو الحلم .. فقط في اتجاه الحلم ..
لا يريد أن يحقق شيئا .. فقط خطوة صغيرة .. أنملة .. حبوة .. تكفيه لليوم ..

ومضت به الخطوات حتي وجد نفسه يوما زائراً لملجأ أيتام ..
ملجأ ليس كتلك الملاجئ المرفهة في المناطق الفارهة .. لبعض سيدات المجتمع اللواتي لا يجدن شيئا افضل يفعلنه ..
إنما هو ملجأ شبه حكومي يتواري في حي فقير يحتاج إلي ملجأ أحياء ..
ملجأ لا يحوي تلك النوعية من الأطفال المستحميين .... الذي يغرقهم الفارغين بهداياهم .. محاولة من نجوم المجتمع أن يسكتو ضمائرهم عن المسئولية .. لعلهم يحظون بنوم أفضل برمي فتات الموائد  ...
ملجأ يحوي مشاريع بلطجية .. نماذج مصغرة لسارقي المستقبل .. ملجأ لا يختلف رواده كثيرا عن اطفال الشوارع ..
ملجأ هو اقرب لإصلاحية .. تحتاج إلي اصلاح ...
دار رعاية تحتاج إلي من يرعاها ..

وفي تلك النوعية من الدور والملاجئ والاصلاحيات .. يتغذي الإجرام .. وينبت الشر.. وتتعملق البلطجة ..
من مشرفين لا يفقهون شيئا عن اصلاح الأطفال .. ومعلمين لا يعلمون شيئا عن تعليم ذوي الصعوبات ..
إلي غياب للأمن .. ومشكلات نفسية وجنسية .. اكبر من أن تحكي ...
 
وجد نفسه مع بعض الشباب .. الذي لا يؤمن بالمفهوم الخيري السائد .. لا يؤمن بالمفهوم الشائع لللعمل التطوعي ..
لا يؤمن بالصدقات التي  تلقي .. إراحة لنقيق الضمائر .. أو اسكاتا لدواعي الشفقة المؤرقة ...
يؤمنون بأنهم يحملون مسئولية ما تجاه المجتمع .. رسالة ما ..
ربما ليسوا اغنياء بما يكفي لينهالوا بالصدقات ..
لكنهم يحملون بعض الوقت .. ليشاركوا الأطفال الزمن ..
يحملون بعض المساحة ليحملوا عنهم بعض الهم ..
يحملون اتساعا داخليا تكفي رحابته .. لتدفئة صقيع وحدتهم ..

ليسوا مسيسين .. لا يفعلونه ليصورهم الإعلامين .. أو ليدعموا حزبا ما بــ(النشاط الخيري) .. أو ليأكلوا بضعة من جنيهات التبرع ..
ليسوا منتمين إلي أيدولوجية فكرية بعينها .. ولا مذهب تصوري محدد ..
بل ربما ليسوا منتمين إلي أنفسهم بما يكفي ليتفقوا علي كل شيء ..
فقط اتفقت ارواحهم علي مد يد العون .. للإنسان ..

يفعلوا الخير .. للخير ..

بل لايريدون نتائج عظمي لذاك الخير .. لايريدون تصنيع اجيالا من العباقرة .. او اكتشاف الموهوبين ..
فقط أن يجيد هؤلاء القراءة والكتابة والوضوء ..
أن يجيد هؤلاء الحب والحلم ...
أن يجد هؤلاء بجوارهم احد ما .. يذكرهم بأنه لا حاجة لهم أن يكرهوا المجتمع ..



وكانت تلك زيارته الأولي ..
  • 45 طفل .. احابته احداهن حينما سأل عن عدد الأأطفال
واستطردت ((ده غير اتنين هربوا ))
طبعا دول يتحولوا إلي اطفال شوارع .. يلجأون إلي الكباري والأأنفاق يستترون بالجدران .. يلتحفون لافتات مرشحي مجالس الشعب .. يتوارون من امين الشرطة .. ومن الطفل الأكبر .. الطفل الأقدم .. الطفل الأقسي في الشارع ..
يتزاوجون .. وتسافحهم الدنيا لتنتج حقدا أكبر .. وقسوة .. وقتل للبراءة والمعني ..

"حسين "
10 سنوات
كان قليل الكلام .. دائم الخجل .. يهرب بعينه .. يبتلع كلماته النابتة كأجوبة علي شفتيه ..
كان مهتزاً للغاية .. نحيلا للغاية تظهر عليه امارات سوء التغذية .. وأمراضا خفية ..

  • مال ايدك يا حسين
  •  طب ثواني كده ...
جري حسين مسرعا نحو المشرف .. لاعلم بعدها انه كان يستاذن ليحدثني عن مشكلة يديه .. فقط كانوا يعلمونهم ألا يستجوبهم احد عن معاناتهم ..
ألا يخبروا احدا اي احد عما يجري بالداخل ..
كانوا يربونهم علي الخوف من المجتمع .. علي تخوين أولئك المارين علي مذابحهم ..
كانوا يخبرونهم -وهي الحقيقة - ضمنا أن أولئك الزائرين لا يعبأون بكم كثيراً .. هم فقط يعباون بأنفسهم .. يريدون ان يريحوا ضمائرهم المتأوهة بالشفقة ..

وجاءني حسين .. ليرفع لي القميص عن يديه ..
ليرفع لي حجب التواري .. عن المأساة .. عن التراجيديا الكونية المستترة ..
الولد .. يداه معاقتين .. متيبستين علي حال واحد .. الكف إلي الأسفل ..
لأقرب لك الصورة .. اتدري حين تقول يارب كيف ترفع يديك بالدعاء .. ذاك الطفل لم يكن يستطيع فعل هذه الحركة..
وكانت تلك الحالة من التيبس في الساعدين .. حالة غريبة علي طبيب ذو دراية جيدة بأمراض العظام ..

وحاولت ان استدرجه للحديث بضع دقائق .. حتي انتهيت إلي الصدمة ..
كانت أعاقة الفتي .. نتيجة لأن أمه كانت دائما تلوي له ذراعيه عقابا .. فينكسر عظمه الهش مرة تلو المرة ..
حتي التحمت عظمتي الساعد عنده ببعضهما ..
والقته أمه إلي الطريق .. معاقا ..
ليدخله احدهم دار الرعاية ..
وكانت اعاقته تشعره بأنه ناقص .. أنه غير مكتمل .. انه يجب ان يتواري ..
كان يهرب بعينه .. ولفظه .. كان دائم الخوف كعصفور مبتل يرتعش في الصقيع ..


يحتاج إلي  الآن بضعة اشاعات .. واربع عمليات ..
وما يكفي من الأغنياء ليتكفلوا له بذلك ..

ربما نتمكن من انتشاله وعلاجه .. وطمأنته .. واحتضانه .. واحتواءه ..

ولكني اكتشفت أن هناك الألاف .. بل ملايين .. ممن يتشكلون في الظلام ..
مشاريع بلطجية .. ومضادي للمجتمع ..
نتحمل نحن مسئولية كبري تجاههم ..
أو علي الأقل مسئولية وقائية لأنفسكم من ذاك الحقد النابت داخلهم عليكم ..

يتبع .. 
26 ديسمبر 2011

الجمعة، 10 فبراير 2012

ادفن وجودك ..

    من حكم ابن عطاء : "ادفن وجودك في ارض الخمول فما نبت مما لم يدفن لا يتم نتاجه"
    خلق الله الكون قائم بأسره علي "الفلكية" .. دوران الاشياء في افلاكها ..
    الكون ما هو إلا افلاك متداخلة .. في حالة دوران مستمر .. ليست مجرد حركة أنما هو دوران ..
    فتلك دورة الأرض حول الشمس تصنع فصولا .. ودورتها حول نفسها تصنع يوما بنهار وليل .. ودورة القمر تصنع شهرا ..
    وكذا دورات الحياة .. فكل كائن خلقه الله يمر بدورة حياة ..
    ويتجلي ذاك الدوران الفلكي .. ويؤكده الله في العقول ويقره في الوجدان في مظهر الحج .. الطواف ..
    وللنفوس ايضا دورة حياة .. لابد لها ان تخضع لأطوارها لكي تصل إلي النضج .
    تماما كتلك اليرقات .. دودة صغيرة تبدأ في لف نفسها بشرنقة قوية .. تمنعها عن العالم .. فترة من الزمن .. حتي يتم نضجها ..
    تتحول داخل شرنقتها من طور اليرقة الدودية (المستقبح) .. إلي طور الفراشة الملونة ..
    من الطور الأرضي .. الدنيوي .. الزاحف ... إلي الطور السماوي .. الطائر الحر ..
    من يرقة إلي فراشة ..
    وهكذا يرقات النفوس الغضة .. حديثة العهد بالدخول علي الله .. لن تحتمل الخروج إلي العالم برسالتها فور تلقيها ...
    بل احيانا لا تحتمل الرسالة نفسها .. لا تحتمل حالة الاتصال الدائم بالله ..
    مالم تتشرنق فترة من الزمن .. تصنع جدرانا عازلة مع العالم ..
    تدفن انفسها في ارض المجهولية .. تغوص في الهامش .. تحيد عن الاضواء .. تخرج من الكادر .. وتختفي عن العيون ..
    تختبئ من الزحام ..
    كبذرة لابد لها من أن تدفن في الأرض .. وكلما زاد عمق الدفن .. كلما قويت جذورها .. وصعب اقتلاعها كشجرة يوماً ..
    هكذا البشر يا فتي .. خصوصا تلك الأرواح الهشة .. التي خلقت لتتصل بالمطلق .. وتعزف عن المحدودية ..
    تلك الأرواح (اليرقات) الهشة ربما تنكسر اعوادها إذا زرعت سطحية ..
    ربما يتصدع بنيانها بفعل رياح الفتن يوما بعد يوم ..
    ربما يدوسها غافل وهي تزحف متيرقة ..
    وربما يقتات عليها كبذرة عصفور شارد لا يعبأ بأحلامها المؤجلة ..
    لذا فمن اشرقت بدايته اشرقت نهايته .. والبدايات ليست نقطة من الزمان .. إنما امتداد زمني واسع ..
    حالة صناعة الأسس ..
    حالة التجذر ... النمو التحتي .. الامتداد الداخلي ..
    فلا تتعجل الخروج للعالم ..
    فلم تسطع شمس نفس قط إلا بعدما تشربت من الاعتزال .. بعدما قويت داخل شرنقتها .. بعدما اتقنت سبر اغوار ذاتها بالخلوة ..
    فالنبي يحبب إليه الخلاء زمنا طويلا قبل الوحي ..
    وموسي يضطره الله إلي مدين ثماني حجج .. بعيدا عن الانظار .. شرنقة ما قبل الوحي ..
    "لتصنع علي عيني"
    هكذا هي الصياغة الربانية للنفوس الكبار .. يخلع عليها شرنقة قدرية .. يقصيها طويلا عن منتصف الصفحة .. يحيلها إلي الهامش حيث الهدوء حتي لا تتلوث بالزحام .. تتعكر بالضوضاء ..
    حتي يأتي زمن حصادها .. زمن قذفها إلي بؤرة الأحداث .. زمن كتبابتها كسطر نوراني في منتصف الصفحة ..
    لا تتعجل يافتي خدش شرنقتك .. لا تتعجل تسطح بذرتك ..
    امدد جذورك .. وتشرب من حكمة الهامش ..
    واعلم ان عمق فترة شرنقتك .. وبط تكون جذورك .. سيكون له اطيب الاثر في متانة جذوعك .. في ثبات اصولك ..
    لا تعبأ بالأضواء .. وارض بمساحتك القسرية من الحياة .. فأنت علي عين الله ..
    ومهما صغرت قيمتك الكونية .. فلا يعزب عن ربك مثقال ذرة ..
    محاط بعلمه .. فلا شيء من مواهبك سيبور .. ولا نبت من دواخلك سيذبل .. ولا واحدة من امكاناتك ستتعطل ..
    هو وهبك واعطاك .. هو صنعك كنسخة فريدة ..
    "ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير "
    فارض بعوالم الظلال .. "الم تر إلي ربك كيف مد الظل ""
    وافرح بهامشية شرنقتك ..
    وتعمق في ارض الاتصال بالله ..
    واعلم ان هناك ارواحا اردا الله ان تكون له  وحده .. فأخذ يخلصها من الكون .. من التعلق بالاشياء ..
    ارخي عليها سدول الظلال لئلا تعرف .. فيفسدها الضوء .. كصورة لم تتحمض بعد ..
    ان صورتك النهائية ليست جاهزة .. اغلق الانوار .. وانغمس في ظلال التحميض الرباني لنضج النفوس ..
    فلم تزل نيجاتيف  يا فتي ..
    وقد يحرقك الضوء ..
    فادفن وجودك .. بكامل ارادتك ..
    فما نبت مما لم يدفن لا يتم نتاجه ..

اقتل نفسك ..فــــ(ـــليس علي هذه الارض ما يستحق الحياة)


    هم كانوا هناك تحت قيد الاستعباد .. لا بملك الواحد فيهم ذاته .. وتنزلت عليهم الحرية ..
     حرية كالنبوة كانت ..
    أو نبوة بنكهة الحرية ..
    وصاروا سادة .. احراراً ..
    صاروا (انفسهم) ..
    فما كان من العبيد الذين تربوا كالعبيد ..و تشبعوا بأخلاق العبيد .. وحملوا من سنوات العبودية (زينتها) .. إلا أن اشعلوا النار في زينة العبودية القديمة .. واتخذوا من انصهاراتها استعبادا جديدا ..
    عبودية اختيارية ارادية .. يحملون لها ما يكفي من التبريرات ليقنعوا (انفسهم) ...
    لفظوا كرامة الحرية القدسية المنزلة .. وتناسوا ذل الأمس ..
    ربما شعروا ان الحرية اكبر منهم .. اكثر اتساعا من (نفوسهم) التي اصطبغت بطمأنينة الارتكان إلي الاستعباد .. طمأنينة خادعة باقناع الذات بأنهم مجرد ضحايا ..
    أما الحرية فتعني المسئولية الكاملة .. وهو ما يفوق .. ااحتمال العبيد ..
    وتتنزل الأحكام علي تلك النفوس التي لفظت الكرامة .. وتنكرت لمنن التحرير ..
    "ياقوم انكم ظلمتم انفسكم باتخاكم العجل فتوبوا إلي بارئكم فاقتلوا انفسكم ذلكم خير لكم عند بارئكم"  
     فاقتلوا انفسكم ..  فاقتلوا انفسكم..
    نعم اقتل نفسك .. اقتل تلك التي ظننتها ذاتك .. عن ارادة واختيار .. اقطع تلك الرغبة في الحياة ..
    اذا اردت العودة إلي الله بعد أن وصل بك الانغماس إلي حالة التنكر للكرامة .. ولفظ الحرية المرتبطة بالمسئولية ..
    اذا صنعت لنفسك الها ذهبيا جديداً من (زينة) فترة الظلام والعبودية ... وتعبدته ..
    فاقتل نفسك ..
    ذاك هو طريقك ..
    التوبة هنا توبة خاصة ..
    لن تنفعك تمتمات الاستغفار يافتي .. لن تفيدك كثيرا شعائر ظاهرة ..
    لن يفيدك سوي ان تنظر "إلي الهك الذي ظلت عليه عاكفا "  .. "لنحرقنه" .. يحترق وينسف ..
    "لننسفنه في اليم نسفا "
    أمامك طريق من اثنين ..
    الأول طريق لفظ الحياة .. وقتل نفسك ..
    مرحلة قطع الرغبة في البقاء .. انك تدوس علي غريزة حب الحياة ...
    أن تصل إلي حالة كراهية الحالة لدرجة قتل الذات .. اراديا .. طمعا في تحول اكبر ..
    ان تلفظ العالم باسره .. وتلقي الدنيا بكاملها ..
     فقط لأن تكسب نفسك بأن تقتل نفسك ..
    والطريق الثاني أن تبقي مبقيا علي ذاتك ... رافضا قتلها .. متمسكا بوساوس بالية .. وهراءات الظنون..
    حينها سيقال لك (اذهب فإن لك في الحياة أن تقول لا مساس )
    نفسك تلك يا فتي ليست نفسك حقا .. إنما هو الشيطان قد تجمل يوما في ثوب (سامريك ) أو (سامريتك) .. ليخبرك أنك هذا ..
    أن اهواءك .. ورغباتك ..
    ظنونك . وجنونك .. افكارك .. ومشاعرك المؤقتة ..
    هو أنت ..
    وان ذلك هو توصيفك .. ونعتك ..
    ليخدعك السامري فيك .. أن الهك محض عجل ...!!!
    وان تكون ذاتك يعني ان تترك اللجام لأهواءك ...
    فارق يا فتي بين "ذاتك " و "لذاتك" ..
    فارق بين "ذاتك" و "نزواتك" ..
    لذا حين تصدقه .. حين تستيقظ يوما لا تري امامك في المرآة سوي عجل ذهبي لامع ..
    حين تكون صورتك عن نفسك هي تلك الصورة المشوهة عن جموع ظنون واهواء متجسدة بشرا ..
    وتظن أن معني كونك انت .. أن تطلق الوحش فيك ...!!!
    ((واشربوا في قلوبهم العجل))..
    فحينها ليس امامك سوي ان تحمل سيف الارتطام بالحقيقة .. سائرا إلي مذبح التوبة ..
    مناديا .. "ما أخلفنا موعدك بملكنا"..
    غامدا السيف في صدر هذا " الأنت" .. محطما العجل الذهبي لتلك "النفس" ..
    ذلك .. وذلك فقط ..
    خير لكم عند بارئكم ..
    فتاب عليكم ...
    10 فبراير, 2012
    05:29 ص

الجمعة، 9 ديسمبر 2011

A masterpiece


    إن الله يا سادة لم يخلق ادم وحده بيده ... إنما خلقكم جميعا بيده .. علي علمه .. وبتدبيره ..
    أنتم صنعته .. ابداعه ..
    أحيانا اتخيل الأمر بنظرة مختلفة قليلا ..
    اتخيل رساما بارعا .. أو نحاتا عبقريا .. أو ربما روائيا مبدعا .. كل منهم له أعماله العظيمة .. تلك الأعمال التي تشع بين اعماله يعرفه العالم بها ..
    تلك التي يسمونها : ماستر بيس .. قطعة فريدة ..
    MASTERPIECE
    اتدري تلك السيارة الخاصة التي صنعتها الشركة الفلانية ولم تصنع مثلها قط ..
    MASTERPIECE
    اتعلم تلك السيمفونية التي لم يستطع ذاك الموسيقار تأليف مثلها أبداً ..
    MASTERPIECE
    والله احسن الخالقين ..
    اتدري يافتي .. لقد خلق الله الإنسان هكذا من بين خلقه .. MASTERPIECE ..
    والإعجاز الحقيقي _وطرطقلي ودانك هنا أوي _ أنه قد خلق كل فرد من بني الإنسان نفسه MASTERPIECE
    ولذا سمينا أفراد .. لأن كل منا فرد ..
    إنها تلك المسحة من تفرد الله وفردانيته حين خلق الإنسان .. فجعل كل نسمة من خلقه كينونة خاصة .. مختلفة فريدة ..
    أعجوبة متفردة ..
    لم يخلقنا الله قوالبا مكررة .. ولم يجعلنا جموعا متناهية من تباديل وتوافيق لعجز في القدرة حاشاه ...
    إنما خلق كل منا فرداً ما .. متفردا في ناحية ما بأثر نفخة روحه السارية فينا إلي الأبد .. وتفرد وحده بالفردانية في كل شيء ..
    نعم يافتي .. انت قطعة فريدة وحدك ..
    نعم يافتي .. لديك في داخلك شيئا ما .. ينبغي علي العالم بأسره ان ينصت له ..
    لقد منحك الله في صنعته شيئاً ما .. يمكنك أن تمنحه للعالم .. أنت وحدك ..  
    آمن بنفسك .. انطلاقا من ايمانك بمولاك ولامتناهية قدرته فينا ..
    آمن بنفسك .. واعلم أن لديك حقا ما يستحق أن يخرج للكون ..
    لديك اسباب تفردك .. واختلافك .. في جهة ما .
    لديك مسحة خاصة .. تحملها وحدك .. في بقعة ما ..
    داخلك .. فقط .. الإشكالية في اكتشافها .. ولكن يجب أن تؤمن أولاً .. انها هناك .. موجودة ..
    وانك تستحق ..
    ..............................................
    اتدري يافتي .. إن للجنة ثمانية أبواب ..
    ليس من الضروري أن تسير علي خطي ابن تيمية إلي بابه الذي يدلف منه ..
    ولم يقل أحدهم يوما أنه لا مفر من التعلق بعباءة الغزالي إلي بابه ..
    لن يدخل الجميع من ذات الباب .. إلي الجنة ..
    وهكذا حضرة الله .. وملكوت القرب منه .. لا متناه الأبواب ..
    لا تتبعن سوي قلبك إليه ..
    لا تتبعن سوي ذاك المتميز فيك .. البريق المشع داخلك .. استمع إلي همسة النبي في أذنك عبر حجب الزمان .. ((استفت قلبك ولو أفتوك)) ..
    ذاك ما نسميه فقه الخصوص والشخوص ..
    ذاك الفقه الذي جعل ابن عباس يجيز القبلة صائما لرجل ولا يجيزها لأخر ..
    فالأول شاب قد لا يتمالك انجرافات الشهوة فيه فيفسد صومه .. والآخر كهل قيدت حكمة الكهولة فيه منطلقات الشهوة .. والكل قبلة ..
    نعم استفت قلبك .. غص بحيادية الأتقياء .. وقلوب الأنقياء إلي تلك الخرائط الربانية السابحة في دهاليزك ,,
    اقطف ثمار الحكمة فيك ..
    استفت قلبك ..
    اسأل ذاك الشيخ العالم الحكيم الرابض في ممراتك السرية ..
    استفت قلبك ..
    .........................................
    لم يكن الأنبياء سوي أولئكم الذين ساروا قديما ضد التيار السائد ..
    حتي من قبل أن تنزل عليهم الرسالة .. وقبل أن تحيطهم معصومية الوحي .. كانوا أولئك الثائرين علي البالي .. العالمين بخصوصية الخليقة فيهم ..
    فابراهيم السائر وراء كوكب .. وقمر .. وشمس .. بحثا عن معبود يستحق .. يلحظ ببريق الخريطة في دواخله صفات المعبود الذي يستحق ..
    هو حاضر وإن غاب عن الرؤيا .. (لا أحب الآفلين )
    ومحمد يعتزل متعبدا .. بلا ديانة ما .. بلا شعائر ما .. بلا خريطة ما .. الليالي ذوات العدد في حراء ..
    إن تأملت الأنبياء علي وحدة الرسالة فيهم .. تأملا دقيقا تعلم أن كلا منهم كانا أمة وحده .. كيانا متفردا .. لم تكن النبوة ذاتها قالبا يصب فيه الأنبياء ...
    يمكنك أن تميز بشدة بين موسي وعيسي ويونس وزكريا وابراهيم ولوط ومحمد .. تمييزا يجعلك تعرفهم وإن لم تراهم من قبل ..
    والكل ... نبي الله لا نفرق بين احد منهم ..
    بل إن المتأمل للرعيل الأول من الصحابة والتابعين .. يعلم أن كلا كان كينونة وحده ..
    لم يصنع الإسلام منهم قوالب صماء ..
    إننا دون أن نري أيهم .. نستطيع أن نرسم لكل منهم صورة تميزه .. داخليا وخارجيا ..
    وكأننا لو رحنا يوم القيامة واستمعنا لدقائق لكل منهم . لعرفنا من ابي بكر ومن عمر ومن خالد ومن ابن مسعود ومن ابي ذر ..
    كان كل منهم كينونة خاصة .. أعجوبة فريدة ...
    وقد شحذ الإسلام هذا وصقله .. وشجعه فيهم ..
    آمن كل منهم أن لديه ثغرة ما يسدها .. أو شيئا ما يقدمه .. وهكذا ينبغي أن تؤمن ..
    آمن كل منهم أن لديه ما ينبغي ان يقوم به .. وهكذا ينبغي أن تؤمن ..  
    لم يظن أحدهم يوما أن تعداد الجنة مكتمل دونه .. أو أن اسماء الأبطال قد ازدحمت قبله ..
    لم ير أحدهم في مجد الآخر واختلافه وخصوصيته وتفرده ما يعيقه هو أن يكون نفسه ..
    لم يكن وجود أحدهم يوما علي الحياة مجانيا .. أو زائداً .. لم يكن أحدهم يوما رقما اضافيا تعداديا فقط .. EXTRA NUMBER
    وهكذا يجب أن يكون وجودك ..
    وهكذا ينبغي أن نؤمن معهم ..
    لا يجعلك رؤية من هو متميز في مكان ما .. أو مبدع في مجال ما .. تشعر بأنه ليس لديك ما يمكنك أن تقدمه بعده ..
    لدي كل منا ما يكفي أن يقال .. أن يخرج .. أن يكون ..
    ينبغي أن نؤمن معهم .. أننا جميعا ...
    وأن كل منا ...في النهاية ..
    Masterpiece

الأحد، 20 نوفمبر 2011

الحرية لطارق .. (علي هذه الأرض ما يستحق الحياة 2 )


في بلدنا حاليا دائما ما تسمع هذه العبارة الحرية لفلان المعتقل علي اثر احداث كذا .. وتري لافتات تحمل صوراً وعبارات الحرية لفلان الناشط في حركة كذا وكذا .. وكل ما يعانون منه هو سجن أصغر .. معتقل أو زنزانة او ربما اقامة جبرية ..
وهناك خارج السجون تلك .. من هم مسجونون أكثر .. في سجون اكثر ضيقا .. ربما هي علب صغيرة .. ولكنها زنازين حريرية الملمس وردية اللون .. زنازين باقنعة براقة .. ولكنها في النهاية زنازين ..
فالسجون في التصور الإيماني .. إنما هي سجون الداخل .. سجون النفوس .. سجون الشهوات وتشوهات التصور ..
""قال رب السجن أحب إلي مما يدعونني إليه "
السجن أحب من حرية موهومة في حضن الشهوة .. مع خسارة النفس ..
وطارق (تحدثت عنه في الادراج قبل السابق ) كان مكبل في احداها ..


طارق كان حاملا لكتاب الله في صدره .. قارئا واسع الاطلاع -دودة كتب - كما يسمون امثاله في مصر .. عداءاً ماهراً ورياضيا عالي اللياقة .. ولكنه تخلي عن كل هذا .. حينما قرر الالتحاق بساقية العمل مبكرا .. مبكرا للغاية .. لأنه قد قرر الخطبة والزواج وهو لم يزل طالبا جامعيا .....
وبغض النظر عن التوقيت .. فإن الزواج في مدن الازدواجية والخوف العربية يعني أن تتخلي عن كل شيء .. تتنازل طواعية وربما لا شعوريا عن كل القيم الجمالية فيك .. عن هوياتك .. عن شغفك .. وربما عن انتماءك التنظيمي .. وربما بشكل اكثر قسوة عن اورادك وعلاقتك بالله .. ذاك جميعا في سبيل لقمة العيش .. التي اصبحت مع الوقت أكثر من مجرد سعي وراء لقمة العيش .. فلقمة العيش لم تزل علي سعرها القديم .. ولكن تطلعاتنا هي التي اختلفت .. ورغباتنا هي التي لم تعد تقنع بالعيش .. وإنما لا تقنع بما دون البيتزا .. والوجبات التي تحمل العلامات العالمية المسجلة ..
طارق كان يبرر تخليه عن كل جميل فيه .. أو ربما ضياع كل جميل فيه غفلة منه بأنه سقط أثناء البحث عن حياة كريمة ..
الحياة الكريمة .. هي مبرر الغافلين .. والمنبطحين .. والجبناء .. والسارقين .
الحياة الكريمة هي مبرر المنهزمين .. والخائنين ..والذين تخلوا عن احلامهم ..
الحياة الكريمة هي مبرر الجميع أمام كل انبطاح .. كل تسامح مع الشر .. كل تصالح مع السواد .. وكل استمراء لما لا تريد ..

قال لي طارق واصفا الحياة للشباب حديثي التخرج في مصر .. بأنها ميكنة نهمة شرهة .. ماكينة هائلة الحجم .. تلتهمنا .. ندخل من احدي جوانبها علي فطرتنا .. علي جماليتنا .. علي شغفنا .. نظن أننا سنغير الكون وسنقنع بالقليل .. وسنأتي من المال بما يكفي لنحقق أحلامنا البيضاء ..
ولكنها تستمر في العمل .. تلك الميكنة ذات البرمجة المحددة .. ذات الأحلام المعلبة .. والتصورات المستوردة ..
لنخرج من الناحية الأخري قوالب .. أناس معلبين .. كل منا يحمل لاصقا بدواعي ونواهي الاستعمال ..
نذوب .. نتوه .. ننمحي .. نتلاشي ..
ولكن تبقي اجسادنا .. وارواح منا بلا هوية .. ككائن غريب يحتلنا ..
فنستيقظ كل صباح بذات المرارة في افواهنا .. وذات المرارة في صدورنا .. لا نعرفنا ..
نشعر بالغربة معنا ... بالغربة فينا ..

حتي ربما لا نجد أنفسنا لنستمتع بتلك الحياة الكريمة .. التي ضحينا بكل شيء في سبيلها .. حتي انفسنا ذاتها ...

اجبته :

اتعرف يافتي .. شتان بين الحياة الكريمة .. والحياة التي ارادنا الله ان نريدها ..
الحياة التي يأملها صاحب اليقين في تصوره لمعيشته الدنيوية ..
الحياة التي وعد الله بها المتقين ..
الحياة الطيبة ...
{مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ }النحل97

تلكم فقط هي ما تحدث عنها الله ..
طيب الحياة .. لا الحياة الكريمة بمفهومها الحضاري الحالي يا فتي .. ذاك المفهوم هو اول ما ينبغي عليك أن تتحرر منه ..
أن تتحرر من معطيات الحياة الكريمة .. من تعريفها المادي العقيم .. من التداول العامي الشائع لهذا المفهوم ..

وأن تطلب الحياة الطيبة ...

والفارق  جد كبير ..
الحياة الطيبة .. غير متعلقة بالخارج .. غير مرتبطة بما تملك .. غير متناسبة مع ما لديك ..
الحياة الطيبة متحررة من الواقع .. متحررة من الظروف .. متحررة من الأاشياء ..
الحياة الطيبة تنطلق  من الداخل .. من داخلك انت .. متعلقة بقلبك .. بروحك .. بتصورك .. بكيفية استقبالك للواقع لا بالواقع نفسه ..

الحياة الطيبة هي بستان العابدين .. ومستراح السائرين لله .. هي التي لو ذاقها الملوك ورجال الأعمال لأعلنوا حربا قدسية لاستردادها ..
قال أحد الصالحين : "لو يعلم الملوك وابناء الملوك ما نحن فيه من النعيم لجالدونا عليه بالسيوف "
التي قال عنها احد الصالحين ايضا :: " إنه لتمر بالقلب لحظات اقول لو أن اهل الجنة فيما نحن فيه لهم في نعيم "

الحياة الطيبة التي تحملها في صدرك غير عابء بالتغيرات الكونية .. كمسحة ممن لا تجوز عليه الحوادث ولا تؤثر فيه التغيرات .. فيسكن القلب بثبات مولاه المتعلق به ..
حتي قال ابن تيمية :" ماذا يفعل بي اعدائي .. أنا جنتي وبستاني في صدري اينما ذهبت فهي معي .. إن قتلوني فقتلي شهادة .. وإن نفوني فنفيي سياحة .. وغن سجنوني فسجني خلوة "

اتري يافتي ذاك التصور الإيماني كيف جعله يغير نظرة استقباله للكون .. وزاوية رؤيته للحياة .. تصور اصبح عدسة وردية يري فيها السجن خلوة .. والنفي سياحة ؟؟!!

قناعتك بزوجتك .. ورضاك عن مساحتك في الدنيا .. ونظرتك الواسعة للعناية الربانية .. والرؤية الصابرة للحكمة في البلاءات .. أن تري المنح منحاً .. والمنع منحاً .. أن ترضي بكل ما نزل بك لأنه لم يخرج عن نطاق الإرادة الربانية .. وتري خطة ربانية .. ومطبخ للأأقدار يصنع لك وجبة سيرتك الحياتية ..
يوسف لولا البئر .. والسجن .. لم يكن ليحكم مصر ..

أحمد بن حنبل يقول : "تزوجت ام عبد الله منذ خمسة وثلاثين سنة ما اختلفنا في كلمة "
لم يكن ديكتاتورا .. أو متعنتا .. أو مغلوط الفهم للقوامة رحمه الله .. إنما التصور الحقيقي لطيب الحياة .. قانع مقنع ..

اهتمامك بالدواخل .. بالمعاني  .. تفضيلك للقيمة عن الوفرة .. وللأثر علي الكثرة ..

تلك المشاعر اللاموصوفة التي تنتابك خارجة عن المعقولية عند استيقاظك في جوف اليل بدون منبه لتقف بين يدي الله ..

ذاك الهم الذي تعلم أنه ما بينه وبين انفراجه عنك سوي أن تضيف إليه اللام .. حين تنادي .. اللهم ..
والكربة التي تتحول بعمق الفهم .. وقبول الحكمة الربانية فيها .. فتختلط حروفها وتعاد ترتيبها .. فتصير .. البركة ..
تلك هي الحياة الطيبة ..
والطيبة لا توصف ..
لا تنال ادراكاً إلا بالذوق ..
أن تذوقها فقط ..
فلو طلبت منك ان تصف لي طعم الفراولة لوقفت اللغة بأسرها عاجزة عن وصفها وكأني اذوقها حتي افعل ...
فما بالك بالحياة الطيبة .. اكسير معيشة المتقين ..
الحياة الطيبة في الدنيا .. هي التي ينبغي أن تكون منطاق ارادتك .. والعجيب أنها مكفولة بالإيمان والعمل الصالح .. منحة ربانية .. ونتيجة منطقية لاصحاب اليقين ..

أما تلك الحياة الكريمة .. المتعلقة بمسكن وسيارة وملابس وحسابات بنكية ومكانة وظيفية .. فهي وهم زائف لا تلبث أن تمسك خواء حقيقته عند الوصول إليه ..

بقي لك حياة أخري .. وهي حياة الرغد ..
وتلك لا مكان لها إلا في الجنة ..
وهي جماع الاثنين .. متعة الداخل .. ومتعة الخارج .. . لذة النفس .. ولذة الاشياء ..

فما عليك سوي الارتماء في كنف التصور الحقيقي .. والقاء أخدوعة الحياة الكريمة في مزبلة الحضارة العقيمة .. والتمسح بعتبات الإيمان والعمل الصالح .. وحينها ستذوق لذة الدارين ..
الحياة الطيبة في الدنيا .. والحياة الرغدة في الآخرة ..
ومن ذاق عرف ومن عرف اغترف ...

السبت، 19 نوفمبر 2011

تحرر من الاعتماد علي العمل


    " من علامات الاعتماد علي العمل نقصان الرجاء عند وجود الزلل"  ابن عطاء الله السكندري .. الحكمة الأولي
    هي من اكبر المشكلات القلبية .. الاعتماد علي العمل .. تعلق القلب بالحركة والسكون والسبب والفعل .. هي لوثة من لوثات الدنيوية .. والمادية .. نوع من انواع الاعتماد علي الحس .. علي ما تراه وما تلمسه .. من تمكن عالم الشهود والمشهود من القلب .. من رجحان كافة الجانب الفيزيائي علي الجانب الروحاني في التصور ..
    الاعتماد علي العمل  احد مظاهر المادية .. احد مظاهر تشوهات التصور .. والتعلق بعوالم المادة .. وللتخلص منه لابد اولأ من اكتشافه .. من الغوص في النفس للامساك بمنطلقه .. بجوهره .. ولابد للغائص من خريطة .. من مظاهر .. ومعالم تمكنه من التقاط وجود الخلل في قلبه وتصوره ..
    واكبر مظاهر الاعتماد علي العمل هوتلك الحالة من اليأس .. من الركون .. من الجزع عند وجود خلل ما .. زلل ما .. عندما تخرج الأمور عن السيطرة .. يضيع الرجاء ..
    هي حالة الجزع التي تكشف ضعاف اليقين عند البلاء .. حالة الفوضي الحسية والتخبط وفقدان الهوية والاتزان عند نزول المحن الفجائية ..
    تتراوح تلك الحالة تبعا لثقل البلاء وتبعا لتمكن حالة اللايقين وتشوه الاعتماد علي العمل من القلب والروح والعقل ...
    اما المؤمن الحق .. صاحب اليقين وهو التصور الذهني القويم .. لا يعتمد علي العمل .. لا يتعلق بالأسباب والحركة الفيزيائية الكونية .. لا يعبأ بالقوانين الطبيعية .. هو لا هملها ولكنه غير متعلق القلب بها .. يعلم أنها ما انطلقت في مشوارها اليومي إلا في نطاق المشيئة .. وتحت كنف العناية .. وأنها لا تخرج عن مدي الإراددة الربانية المطلقة قيد أنملة .. وان الله هو المحرك .. والمسبب ..
    لذا فالصبر عنده صفة لصيقة في الرخاء والشدة .. فالقلب متعلق بمسبب الاسباب .. غير عابئ بالتغيرات .. فمن تعلق بالثابت ثبت عند التغير .. ومن ارتبط بالذي لا تجوز عليه الحوادث سكن عند نزول الحوادث ..
    هو يعلم ان من انزل النوازل قادر علي رفعها .. ومن احدث الحوادث بقدره قادر علي رفعها بلطفه ..
    لذا فأول توجهاته عند وقوع الزلل .. التمسك بالرجاء .. وصدق الالتجاء .. ووجود الدعاء .. والاجتهاد في طلب الصبر والفهم عن الله في الامتحان ..
    وعلي المقياس الاصغر .. تجري الحياة باسرها لدي الموقن .. اعماله الصغيرة .. خططه اليومية .. يعتمد فيها ربه ومولاه ومحرك الكون بارادته لا يعتمد علي عمله أو بشريته .. يبرأ من امكاناته ومواهبه وافعاله وحوله وقوته إلي حول الله وقوته .. فلا حول في الواقع .. ولا قوة علي الحقيقة . ولا قدرة في ابعاد الفهم الحقيقي إلا لله وبالله .. فيبرأ المؤمن من الاعتماد علي العمل .. ويعتمد فقط علي مدبر الأمر ..
    لذا فعند وقوع الزلل .. والخلل .. الظاهر أمام الادراك البشري القاصر .. لا يكون مجالا للجزع .. ولا يفقد القلب يقينه وثباته وسكونه .. فقط يركن إلي الجانب الثاني والجناح الموازي للتفويض وهو جناح الرجاء .. الالتجاء .. والدعاء ..
    ومن زوايا النظر إلي الحكمة هنا ايضا .. معني وجود الزلل في العمل القائم عند اتمامه ..  بمعني نقصانه .. عدم كماله أمام عين الفاعل .. وتلك ربتة رقيقة علي قلوب موسوسي الكمال .. أولئك المترددين علي اعتاب القرارات .. المرتعشين قبل الخطوات .. دائمي التامل والتدقيق والتنقيح لأعمالهم .. يا سادة إنكم تعتمدون علي اعمالكم ولو علمتم أن للا‘مال اقدارها الخاصة وان الكمال مقرون بأفعال الله وحده لأطمأنت نفوسكم إلي نقصان أعمالكم .. ولسكنت قلوبكم رضا بوجود بعض الزلل الملازم لتخطيطاتكم ..
    ولأخرجتم أعمالكم إلي الكون .. ولأامضيتكم قراراتكم في الحياة.. ولفلعتم ما في وسعكم .. ولن أقول ولتتركوا ما تبقي لله .. بل اتركوا الأمر برمته لله .. فإنه هو الفاعل حقاً ..
    اخرج صنيعتك .. وامض مع قرارك .. واسبح مع شغفك .. متعلقاً بالرجاء رغم الزلل .. متمسكاً بالالتجاء رغم النقصان .. معتمدا علي الله وحوله وقوته وارادته وقدرته .. غير متعلق بعملك .. بل غير مشاهد له .. إنما فانيا عنه .. غائبا عنه .. ناسيا جهدك .. متعلق بتوفيقه وعونه ...
    تلك سمة الموقن .. وتلك سمة صاحب التصور المشوه .. فانظر يا فتي اي الفريقين انت .. 
    التطبيق العملي :
    خلص .. وانجز .. ومتترددش كتير مع قراراتك .. دايما حتكون اعمالنا ناقصة .. وتخطيطنا عمره ما حيكون مثالي .. وقلب المؤمن مش معتمد علي تدبير بشري أو تخطيط بني أدمين او حتي قوانين فيزيا .. إنما معتمد بس علي ربنا .. علي المسبب والمكون .. والمحرك والمدبر .. عشان كده نزل افعالك علي ارض الواقع مباشرة حتي لو شايف انها لسه مكملتش ..
    لو في يوم كنت شايف الدنيا ماشية في سكة .. ومتوقع أنها مكملة بتتابعية علي سكة معينة .. ومرة واحدة ومن غير سابق انذار أو توقع انقلبت الترابيذة عليك .. واتت الرياح بما لا تشتهي .. ولقيت دنيتك رايحة في سكة مش متخطط لها .. أوعي تيأس أو تجزع أو تفقد اتزانك .. لأن السكك مش بتاعتك ..والعربية نفسها مش انت السواق الفعلي لها .. وفي النهاية حتي لو قطار دنيتك خرج عن قضبان تخطيطك فهو مش حيخرج ابدا عن قضبان عناية ربنا وارادته وقدرته وحكمته .. فلو لقيت الدنيا ضلمت واجراس الانذار بترن في قطارك سيبك من الفرامل والدواسات ونداءات الاستغاثة .. سيبك من الجزع واللماذا ؟ والصراخ .. وافتح بيبان قلبك ومد ايدك اقطف وردة رجاء من بستان اليقين .. وارمي دفتك في ايد الالتجاء .. واعرف ان مكنتش انت اللي سايق من البداية .. وانك مسكت الدفة بس عشان متكونش مقصر في حق الاسباب اللي انت مامور بيها .. لكن لما خلاص انتهت الاسباب وتلاشت البدايل اللي قدامك في ازمتك .. وانتهت استطاعتك في المجهود .. مبقاش قدامك غير انك تسيب الدفة علي وجه الحقيقة للي ماسكها من فوق بحكمته ... واياك تخاف ..

الخميس، 17 نوفمبر 2011

علي هذه الأرض ما يستحق الحياة (الحلقة الأولي )


اصبحت ابتسامته ميتة اكلينيكيا ..

ذاك هو خير ما يمكن أن يوصف به ..

اختفت تلك المؤشرات الحيوية منها فجأة .. تشعر حين تراه وكأن ابتسامته مجبرة علي التواجد مع وجهه وكأنها نابتة له مع الشارب واللحية الخفيفة .. تشعر وكأنه فقط يعاني ليبتسم .. يجتهد .. يتمرن ليجبر عضلات وجهه علي مزاولة البسمة ..
يمكنكم القول أنه اصبح يبدو وكأن وجهه متشنج في وضع الابتسام .. ؟؟!!
وذاك كان بالفعل أمراً مستغربا علي "طارق" .. امراً مثيراً للاندهاش  .. لأنه طارق بالذات ..

فمنذ سبع سنوات ..........
"طارق" كان مثالاً للحياة .. ليس أكثر من هذا وصفاً  .. تراه فتستشعر تلك الطاقة الغرائبية السارية  في الكون التي تسمي الحياة .. الحياة  تشع من كل تفصيلاته .. من كل زواياه ... من كل خلاياه .. 
عيناه الغائرتان .. تشعر وكأنهما يلمعان أكثر من اي شيء .. كأن بريقهما اكثر اتساعاً ..
 كان يخيل إلي وانا أنظر إلي عينيه أنه يري أبعاداً اكثر منا .. يري افاقاً أكثر اتساعاً .. وكان بريق عينيه العجيب معدياً للغاية .. لابد أن يجذبك .. أن يجبرك علي التوقف .. علي التحديق ..

لم يكن طارق وسيماً للغاية .. ولكنه كان جذابا جدا .. كجاذبية الحياة .. كانت جاذبية طارق تنبع من غريزتنا في حب البقاء .. فطارق كان القطب الآخر للجمود والسكون والموت .. طارق كان طبقة عليا من الحياة .. الحياة باكسيرها الناطق ...
طارق كان حياة تمشي علي الأرض .. كان طبعه الحياة .. وخلقه الحياة ..

ابتسامته العريضة الدائمة .. تبتلع كل شيء .. كنا نستغرب قديماً كيف كان يمتص كل غضب الكون علي الغاضبين بابتسامة وحيدة .. وكيف كان يشفي كل بكاءات المتألمين بربتة رقيقة .. 

وحتي تتمكنوا من استيعاب فداحة الاندهاش .. اعلموا أن بعض اصدقائنا قد اتهموه بأنه ساحر أو مشعوذ .. او "مخاوي الجان" بسبب تأثيره العجيب علي القلوب ..
كان مغناطيس حياة .. فمن بين ثمانية سائرين معا كما كنا دوماً كان الناس يتوجهون له وحده بالسؤال عن الوقت .. عن الطريق .. عن مسجد قريب .. عن رقم الاتوبيس ومحطة الميكروباس ..

من معرفتي لطارق فقط علمت أن للبشر مستقبلات مغايرة للطاقة .. ولغة غير الحروف والألفاظ ..

طارق كان يقال عنه أن لا ينام تقريبا .. وكلام في سركم  لم يكن ذاك ليكون مستغربا علي من عرفوا طارق جيدا .. النوم في حق طارق أمراً غير معقول .. غير منطقي .. هو رجل بحيوية عجائبية تشعر حين تراه أنه  علي الأقل يسير وهو نائم .. بل يجري ..
رغم كل تلك الطاقة المخزونة في أعماقه .. كان لا يعرف مجالاً لللعب أمثالنا يوم كنا معا .. كان جهاز الكمبيوتر الخاص به لا يحوي العابا .. وكان يومه لا يحوي لهواً ولا قليلا من فراغ .. تشعر وكأنه دائم الانهماك .. يقرأ .. يحضر .. يدرس .. يفكر .. يتنقل من أجل دعوته .. يتحرش بالسائرين في أدب ولباقة وأناقة قول عجيبة ليفاتحهم في بعض شئون الدين .. يكتب بضعة وريقات للامكان .. يرمي خطابا غير معلوم الوجهة في شرفة بالدور الأول لأناس لا يعلمهم في طريق لم يدخله من قبل ليذكرهم بالله ..
كان يقف في الأتوبيس ليحدث الناس عن الجنة حيناً .. ويتعلق بمواسير التمسك بسقف الترام ليحدث الناس عن الاستعداد لرمضان حينا اخري بين اصوات الاجراس والابواق والات التنبيه وصراخ المارة .. وكان لجاذبيته العجيبة الناس ينصتون .. لا تقاطعه انفاسهم .. لا يقاطعه سوي راكب مرت محطته انشغالا بكلمات طارق يصرخ : علي جنب يا اسطي ..

كان يعد اصغر من صعد علي المنبر في حينا البسيط .. صعد المنبر في المسجد المختبئ تحت عمارة تتهرب به من الضريبة .. صعد صعودا قدريا لفتي لم يكمل الثماني عشر ربيعا في مسجد قد تاه منه خطيبه بعد الآذان ..
صعد ولم يكن يحمل في ذهنه خطبة .. لم يكن يحلم سوي احلامه .. وطاقة الحياة فيه ..

 كان طارق ببساطة ابعد ما يكون في اذهاننا عن السقوط .. عن الابتعاد .. عن السكون .. عن الاعتيادية ..
كنا نعتقد أن طارق هو مثال لشخصيات الشهداء .. أولئك الذين يملكون من طاقة الحياة ما لا يتمكن من انتزاعها الموت .. فتتنزل عليهم الشهادة .. لانهم يجب أن يبقوا أحياء ..
كان يسبقنا دوما بألف خطوة ..  نعلمه استخدام الكومبيوتر فيعلمنا بعد بضعة ايام تطبيقات استثنائية لتعاليمنا .. نعرفه علي بعض الأصدقاء .. فيتصلون بنا من بيته في ليلتها ..
كنا نظن أن أمثال طارق لا يكتئبون .. لا يحزنون .. لا يصيبهم غم الحياة وكدرها .. كنا نشعر أن الحزن مخفف أكثر من اللازم ليمحو بسمته .. وأن الهم أكثر هشاشة من احتمال طاقة التفاؤل بين عينيه ..

كنا نظن أن الدنيا باسرها لا تشكل له اهتماما أمام دعوته وقضيته ...
كانت تتمركز امام طاقة التفاؤل فيه حوله كل جلسة .. وتتعلق بببريق عينيه المشعتين كتعويذة عيون كل من حضره .. وتنصت أمام لهيب الحماسة المطل من حروفه كل الآذان ... وتنبهر بانفعالات جسده كل الأذهان .. كنت تراه يحيا بكل حضوره .. بكامل وجدانيته .. يأكل بكامل حضوره .. يمشي بكامل وجوده .. يتحدث بكامله .. ويضحك بكامله ..
كان يحيا بعمق ..
ذاك كان منذ سبع سنوات .. يوم كانت هناك قضايا تتسعنا .. وقيم تشكلنا .. ومعاني كنا نحيا من أجلها ...

وذهب طارق في طريقه .. وذهبت في طريقي .. لأقابله بعد سبعة سنوات كاملة .. لاندهش ..

ربما لم يكن به خطب ما بالنسبة للناظرين بسطحية .. ولكن من يعرفون اكسير الحياة المتحوصل بشرا يسمي طارق هذا جيدا .. يعلمون أن بذاك الوجه .. وتلك الطلة الحالية .. إن طارق أصبح ميتا من جهة ما ..
شيء ما ياكله .. ثقب اسود داخله يلتهم تلك الطاقات فيه ..
اختفت هالة الاشعاع حوله .. انقلب البريق في عينيه بطبقة رقيقة من الدمع تتخفي .. نوع من الشجن .. مسحة من الحزن ..

"شعور باللاجدوي .. شعور بالضياع .. بالخواء .. بالفراغ .. يحتلني "
هكذا صارحني بما يشعر به حين واجهته بقديم ذكراه في ذهني ..
" أنت يافتي ؟؟!! مثلك أنت بلا قضية ؟؟ بلا معني ؟؟ مالذي سقط منك في الطريق إلي السنة السابعة ؟؟"
سألته باستغراب الكون ..  عن تلكم السنوات السبع العجاف ..

واتفقنا أن يروي لي قصته .. وأرويها لكم ..
ونبحث معا علي ما سقط منه في الطريق ..


قديما قال لي طارق نفسه حول تلك الآية .. "ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلبوهم لذكر الله ... "
"إياك يافتي أن تقرأها بمعزل عن الآية التي تليها .. إياك إلا يدخل لك الشيطان باحباطاته ووعوده الفقر .. إياك أن تنسي لمحة التفاؤل في الربتة التالية لها مباشرة "أعلموا أن الله يحيي الأرض بعد موتها "

يتبع قريبا لقاءاتنا معا .. ورحلتنا للبحث عنه ..

الأحد، 9 أكتوبر 2011

أيمن بلا يمني ..


رأيته بعد مضي ما يقرب من العامين .. شاحب بشدة ..
علي وجهه ألف قطرة من عرق .. او يزيد ..
كان يجلس علي مقعد متحرك .. مبتور الرجلين إلي ما فوق الركبة .. مبتور اليدين إلي ما حول الرسغ ..
كانت الساعة الثالثة فجراص بقسم طوارئ الجراحة والحوادث ..
لم اتذكره في البداية ..

- أنا عارفك .. شفتك قبل كده ؟؟!!
رد باعتياد النجوم أمام معجبيهم .. 
وفي حسرة الخسارة الساخرة .. وعلي وجهه نبتت ابتسامة مجبرة علي التواجد ..
فإننا أحياناً نبتسم بالإكراه ..

- اكيد هنا يادكتور .. ماهو أنا محجوز هنا ..
واشاح بوجهه سريعاً ..

- أيمن .. مش كده ؟؟!!
أجاب في استغراب : ايوه يادكتور ..
فأمثال ايمن يستغربون أن يعرفهم الأطباء بأسماءهم ..
فبعد فترة من التلبس بوشاح البياض المعقم .. يبدأ الطبيب في مناداة الناس بحالاتهم .. بنسبة الهيموجلوبين .. او فيروس سي ..
بل يبدأ الأطباء يرون الناس أعضاءاً بعينها ..
فذاك قولون .. وذاك زائدة .. وهذه غدة درقية ..
وايمن كان اسمه برجر ..

فأن تنادي مريضا باسمه في المستشفي الأميري كانت تحمل له بعض الدهشة ..

وانسابت في ذهني الذكريات ..
إنه أيمن .. حالة الدرس في قسم جراحة الأوعية الدموية اثناء الدراسة .. اي منذ مايقرب من السنتين ..
اتذكره جيداً .. فقد اصابني بهزة عميقة ..
وأمثال أيمن لا يمكن نسيانهم ..
أمثال ايمن ينسون هم الأطباء ولا ينساهم الأطباء أبداً ..

ولكنني حين رايته للمرة الأولي كان بجسد كامل .. كان حالة الدرس يوم مناقشتي ..
وكنت اتجاوز كعادتي مناقشة الحالة .. اتجاوز المرض ..

ايمن فتي عشريني .. قوي البنية .. أو هكذا كان يوماً ..
تحمل عيناه عمقاً غرائبياً ...
كان يومها عمق التخوف .. عمق المجهولية ..

واليوم زاد عمق عينيه .. بنكهة الأسي .. والياس ..


ايمن يعاني من مرض يدعي مرض برجر .. وهو مرض يصيب المتشابكة العصبية الدموية .. (الأعصاب والشرايين ) ..
يتوقف علي اثرها الدورة الدموية بشكل تدرجي في الأطراف ... فتموت الخلايا ..

الخلاصة أن ايمن .ز وبشكل تدريجي كان يخسر كل يوم جزءاً منه ..
وكل بضعة اشهر يضطر الجراحون لعملية بتر للأجزاء الميتة ..

وحينما رايته في بداية مرضه كان قد خسر ثلاثة اصابع ..
وخطيبته ..

أيمن هو رجل بطعم الخسارة ... بنكهة الخسارة ... برائحة الخسارة ..
تتحدث معه فتلعن تاففاتك وامتعاضك من قلة المال .. او ازدحام الطريق ..
ايمن يجعلك تتضاءل كلما رأيته ..

ايمن هو مقابلة حية مع رجل كرامون سامبيدرو (فيلم البحر داخلي the sea inside ) .. بعمق الخسارة ..
لن اصنع اقصوصة بنكهة الوعظ .. ولن احيك شخصية روائية اقول فيها أنه الصابر الراضي ..
ايمن لم يكن سعيدا قط ..
هو ايضا لم يتأفف .. لم يلعن ..
هو كان يائساً ..
كانت الدنيا عنده تسير من الطرفين ..
كان الوقت عنده يسير اسرع منا ..
نحن نسير كل يوم نحو الموت يوماً..
فعندنا كل يوم نقترب من أجلنا خطوة ..

اما ايمن فكان يسير كل يوم نحو الأجل خطوة ..
ويسير نحوه الأجل خطوة ..
وكأنه يقطع في اليوم نحو الخسارة يومين ..
أو اكثر ..

لا لم يكن مرض برجر مميتاً ..


اليوم .. أيمن قد خسر رجليه .. علي أكثر من عشرة مراحل .. وعشرات عمليات البتر ...
وخسر معظم اصابع يديه ..
واليوم واثناء كتابة هذه السطور ..
يبترون له جزءاً آخر ..
جزءا أكبر ..

يبترون معه .. جزءاً من روحه .. التي اصابها بدورها البتر ..

بعدما مات حماه .. تدخل اخوال خطيبته .. وكان لم يزل يحتفظ باصابعه .. ولكنه يعلم أنها استعارة مؤقتة من التراب تبعا لمقولات الاطباء ..
- لم تربطين مصيرك بمشروع عاجز ..

وهكذا تركته خطيبته ..

لا اريد اليوم أن احمل عظة علي لسانه .. او حالة حياته .. ولا أن اصنع منه اسطورة ابتلاء صابر ..
إنه فقط يكشفنا .. يعرينا .. يفضحنا ..
يخبرنا ان هناك زوايا كونية لا ندري عنها شيئاً ..
وجراح لا تندمل .. وخسارة تشرق علي بعض النفوس مع كل فجر ..
واننا بخير حال ..  ولو حملنا ملايين الندوب .. التي توقفت عن النزف وإن لم تتوقف عن الألم ..

,ان دنيانا العابثة الصاخبة .. ومشكلاتنا الصغيرة التافهة لا تساوي شيئاً ..

واننا نملك الكثير والكثير ..

واننا وان ادعينا الخسارة ..
لم نخسر الكثير .. ولكننا نركز بأذهاننا علي ذاك القليل الذي خسرناه ..

إن ايمن كان يدفن كل اسبوع قطعة من جسده ..
ونحن نتأفف من حر الظهيرة ..؟؟