أرشيف المدونة الإلكترونية

الأحد، 12 فبراير 2012

مشروع بلطجي (الحلقة الأولي)




كان يحمل داخله ثقبا اسود .. فراغ وحشي .. يلتهمه كل يوم أكثر واكثر ..

كانت الفجوة بينه وبين العالم تتسع .. تقتات عليه كل يوم أكثر ..
كانت غربته تزداد كل يوم أكثر ..

جرب كل شيء .. فلم يجدي معه شيء .. حتي الإحباط ذاته لم ينفعه كثيرا ..
 فترك الإحباط وقرر أن يخطو خطوة واحدة كل يوم ..
قرر أن يحلم عنوة .. أن يغرس في نفسه حلما قسرا ... قرر أن يصطنع الحلم ..
وأن يخطو كل يوم خطوة .. بسيطة .. خافتة .. رقيقة .. ربما لا محسوبة ..
قرر ألا يخطو نحو الحلم .. فقط في اتجاه الحلم ..
لا يريد أن يحقق شيئا .. فقط خطوة صغيرة .. أنملة .. حبوة .. تكفيه لليوم ..

ومضت به الخطوات حتي وجد نفسه يوما زائراً لملجأ أيتام ..
ملجأ ليس كتلك الملاجئ المرفهة في المناطق الفارهة .. لبعض سيدات المجتمع اللواتي لا يجدن شيئا افضل يفعلنه ..
إنما هو ملجأ شبه حكومي يتواري في حي فقير يحتاج إلي ملجأ أحياء ..
ملجأ لا يحوي تلك النوعية من الأطفال المستحميين .... الذي يغرقهم الفارغين بهداياهم .. محاولة من نجوم المجتمع أن يسكتو ضمائرهم عن المسئولية .. لعلهم يحظون بنوم أفضل برمي فتات الموائد  ...
ملجأ يحوي مشاريع بلطجية .. نماذج مصغرة لسارقي المستقبل .. ملجأ لا يختلف رواده كثيرا عن اطفال الشوارع ..
ملجأ هو اقرب لإصلاحية .. تحتاج إلي اصلاح ...
دار رعاية تحتاج إلي من يرعاها ..

وفي تلك النوعية من الدور والملاجئ والاصلاحيات .. يتغذي الإجرام .. وينبت الشر.. وتتعملق البلطجة ..
من مشرفين لا يفقهون شيئا عن اصلاح الأطفال .. ومعلمين لا يعلمون شيئا عن تعليم ذوي الصعوبات ..
إلي غياب للأمن .. ومشكلات نفسية وجنسية .. اكبر من أن تحكي ...
 
وجد نفسه مع بعض الشباب .. الذي لا يؤمن بالمفهوم الخيري السائد .. لا يؤمن بالمفهوم الشائع لللعمل التطوعي ..
لا يؤمن بالصدقات التي  تلقي .. إراحة لنقيق الضمائر .. أو اسكاتا لدواعي الشفقة المؤرقة ...
يؤمنون بأنهم يحملون مسئولية ما تجاه المجتمع .. رسالة ما ..
ربما ليسوا اغنياء بما يكفي لينهالوا بالصدقات ..
لكنهم يحملون بعض الوقت .. ليشاركوا الأطفال الزمن ..
يحملون بعض المساحة ليحملوا عنهم بعض الهم ..
يحملون اتساعا داخليا تكفي رحابته .. لتدفئة صقيع وحدتهم ..

ليسوا مسيسين .. لا يفعلونه ليصورهم الإعلامين .. أو ليدعموا حزبا ما بــ(النشاط الخيري) .. أو ليأكلوا بضعة من جنيهات التبرع ..
ليسوا منتمين إلي أيدولوجية فكرية بعينها .. ولا مذهب تصوري محدد ..
بل ربما ليسوا منتمين إلي أنفسهم بما يكفي ليتفقوا علي كل شيء ..
فقط اتفقت ارواحهم علي مد يد العون .. للإنسان ..

يفعلوا الخير .. للخير ..

بل لايريدون نتائج عظمي لذاك الخير .. لايريدون تصنيع اجيالا من العباقرة .. او اكتشاف الموهوبين ..
فقط أن يجيد هؤلاء القراءة والكتابة والوضوء ..
أن يجيد هؤلاء الحب والحلم ...
أن يجد هؤلاء بجوارهم احد ما .. يذكرهم بأنه لا حاجة لهم أن يكرهوا المجتمع ..



وكانت تلك زيارته الأولي ..
  • 45 طفل .. احابته احداهن حينما سأل عن عدد الأأطفال
واستطردت ((ده غير اتنين هربوا ))
طبعا دول يتحولوا إلي اطفال شوارع .. يلجأون إلي الكباري والأأنفاق يستترون بالجدران .. يلتحفون لافتات مرشحي مجالس الشعب .. يتوارون من امين الشرطة .. ومن الطفل الأكبر .. الطفل الأقدم .. الطفل الأقسي في الشارع ..
يتزاوجون .. وتسافحهم الدنيا لتنتج حقدا أكبر .. وقسوة .. وقتل للبراءة والمعني ..

"حسين "
10 سنوات
كان قليل الكلام .. دائم الخجل .. يهرب بعينه .. يبتلع كلماته النابتة كأجوبة علي شفتيه ..
كان مهتزاً للغاية .. نحيلا للغاية تظهر عليه امارات سوء التغذية .. وأمراضا خفية ..

  • مال ايدك يا حسين
  •  طب ثواني كده ...
جري حسين مسرعا نحو المشرف .. لاعلم بعدها انه كان يستاذن ليحدثني عن مشكلة يديه .. فقط كانوا يعلمونهم ألا يستجوبهم احد عن معاناتهم ..
ألا يخبروا احدا اي احد عما يجري بالداخل ..
كانوا يربونهم علي الخوف من المجتمع .. علي تخوين أولئك المارين علي مذابحهم ..
كانوا يخبرونهم -وهي الحقيقة - ضمنا أن أولئك الزائرين لا يعبأون بكم كثيراً .. هم فقط يعباون بأنفسهم .. يريدون ان يريحوا ضمائرهم المتأوهة بالشفقة ..

وجاءني حسين .. ليرفع لي القميص عن يديه ..
ليرفع لي حجب التواري .. عن المأساة .. عن التراجيديا الكونية المستترة ..
الولد .. يداه معاقتين .. متيبستين علي حال واحد .. الكف إلي الأسفل ..
لأقرب لك الصورة .. اتدري حين تقول يارب كيف ترفع يديك بالدعاء .. ذاك الطفل لم يكن يستطيع فعل هذه الحركة..
وكانت تلك الحالة من التيبس في الساعدين .. حالة غريبة علي طبيب ذو دراية جيدة بأمراض العظام ..

وحاولت ان استدرجه للحديث بضع دقائق .. حتي انتهيت إلي الصدمة ..
كانت أعاقة الفتي .. نتيجة لأن أمه كانت دائما تلوي له ذراعيه عقابا .. فينكسر عظمه الهش مرة تلو المرة ..
حتي التحمت عظمتي الساعد عنده ببعضهما ..
والقته أمه إلي الطريق .. معاقا ..
ليدخله احدهم دار الرعاية ..
وكانت اعاقته تشعره بأنه ناقص .. أنه غير مكتمل .. انه يجب ان يتواري ..
كان يهرب بعينه .. ولفظه .. كان دائم الخوف كعصفور مبتل يرتعش في الصقيع ..


يحتاج إلي  الآن بضعة اشاعات .. واربع عمليات ..
وما يكفي من الأغنياء ليتكفلوا له بذلك ..

ربما نتمكن من انتشاله وعلاجه .. وطمأنته .. واحتضانه .. واحتواءه ..

ولكني اكتشفت أن هناك الألاف .. بل ملايين .. ممن يتشكلون في الظلام ..
مشاريع بلطجية .. ومضادي للمجتمع ..
نتحمل نحن مسئولية كبري تجاههم ..
أو علي الأقل مسئولية وقائية لأنفسكم من ذاك الحقد النابت داخلهم عليكم ..

يتبع .. 
26 ديسمبر 2011
إرسال تعليق