الخميس، 29 سبتمبر 2011

رضا علي رضا


لأنها أجمل من أن تنسي .. من أن تسقط .. كما سقط منا الكثير والكثير في الرحلة ..
مما نحتاج إليه فعلاً ..
نقتني الأوراق .. والكتب .. والأجهزة ..
ونجمع بعض العملات القديمة .. والأغنيات .. وصور عائلية سخيفة ..
ويسقط منا في الطريق .. الكثير من المعاني .. تسقط سهواً ..
وأحياناً .. تسرق ..
وأحياناً .. نبيعها ..

المصيبة أن تلك المعاني والرسائل التربوية الربانية هي مفاتح مغاليق الطريق ..
لن تنفعنا الصور .. ولا كرامة لورقة .. ولا عزة لكتاب بشري ..
حين تعلو ألغاز الطريق ..
نبحث في جيوبنا عن وجه مألوف .. عن يد صديق .. عن حالة حياة .. 
عن تجربة حقيقية .. لا شخصية روائية .. أو عبث سينمائي .. 
فما بالنا نشكل عقائدنا .. ورؤانا .. وتصوراتنا في الحياة من الرواية السينمائية المنقوصة ..
ونغفل الصياغة الربانية لشخوص حقيقية تسير في الجوار ..

وهي كانت كذلك ..
رأيتها .. علي كرسي متحرك .. تدخل إلي قاعة الدرس في قسم أ حريم أمراض عظام .. 
أوحي إلي وجهها .. أنها تحمل أكثر مما ينبغي .. وأن ذاك الثقل في صدرها هو ما أقعدها في النهاية علي الكرسي ..
وأدهشني صفاء بسمتها ..
هي إمرأة خمسينية .. في نضارة فتاة عشرينية ..

مين حيناقش الحالة دي ياجماعة ؟؟ قالها طبيب يرتدي معطف ابيض .. أقصد معطف أبيض نبت له كائن بشري  ..
فإن الطب اثنان ..
إنسان يرتدي معطفاً .. ومعطف يرتدي إنساناً ..
فبعد كثير من العمل .. والعمل .. نكتشف أن قطعة القماش البيضاء التي نرتديها صارت أغلي منا ..


وتقاعسنا جميعاً .. لا أحد يقوم .. فلا أحد يعرف شيئاً .. كلنا جديدون هنا .. ومرت دقائق .. صامتة ..
وجذبتني إليها .. هناك شيء ما فيها .. في عينيها صفاء ملائكي ..
اقتربت منها .. لم أسالها عن شيء وجدتني فقط أمد يدي لأحتضن يديها المرتعشتين خوفاً .. فهي تعلم أنها ضحيتنا الجديدة ..
ففي المستشفيات التعليمية لا تدفع أجر علاج مادي .. وإنما تدهس كرامتك البشري .. وينكشف جسدك أمام أيادي الطلاب الجدد .. يهرسونه بفحص السذج .. المستجدين ..
الذين لا يعتبرونك إلا أداة ..
يزنوك بميزان حالتك ..
حالتك سكر .. منتشرة .. قديمة .. لا تساوي شيئاً ..
حالتك ورم سرطاني .. أنت تساوي الكثير .. نعم .. قدر درجات امتحان العملي ..


بالنسبة إلي طلاب الطب .. صلاحية الإنسان تنتهي بمجرد انتهاء الكشف عليه ..
بالنسبة إلي أنا .. كانت علاقتي تبدأ تماماً في ذاك الوقت .. بالمحتضرين ..

لماذا أجد في الإحتضار شيئاً يجذبني .. حد البكاء ..

أعود إليها .. اسمها رضا .. وحينها عرفت كيف أن لكم من اسماءكم نصيب ..
الحالة .. علي قائمة انتظار تغيير مفصل الفخد علي نفقة الدولة .. بعد التهاب مفاصل مزمن وقاسي أودي بمفصلي الفخد ..
السبب : ابنها يعاني من ضمور العضلات .. لديه الآن بضع وعشرين سنة .. وبالتالي فهي قدميه .. ويديه ..
وكرسيه .. وعجلاته ..
والضريبة .. فخديها ........................
ألم قاسي .. وتشوه عجائبي في الحوض ..
لقد عانت تلك المرأة كثيراً ..

أنا أعرف تاريخها المرضي ..
أما هم .. وطبيبهم .. فيعرفون تاريخ مرضها ..
وفارق بين تاريخها المرضي .. وتاريخ مرضها ..
وبعد أن انكبوا عليها ... الكل يداعب .ز ويسحق .. ويضغط .. ويندهش .. ويدون ..
قامت .. وفي عينيها اكسير التوسل قد انصب .. 
وصاحت .. طمني يادكتور .. هل سأعود كما كنت ؟؟
ولمحت هنا ابنها يدلف إلي الصورة .. ليغرق في طبقتين من الدموع احتلتا عينيها .. ويحترق مع احمرار خديها ..
ويختنق مع حشرجة صوتها ..

ويذبحني في حرقة .. تنبعث من كيانها المنتفض ..
وجدتني أنسكب نحوها .. انهمر ..
حملتها ..  وذهبت بها غلي سريرها .. وهي لم تتوقف عن البكاء ..
وهناك أدهشتني ..
روت لي حكايتها .. كاملة ..
وروت لي ما وراء الحكاية ..
توقعت أن أري تذمراً .. أن أري حتي تصبراُ ..
ولكني ما رايت إلا قمة في الرضا .. هي تحبه حب العاشقة ,, تهواه ..
لا يعييها من المكوث في المستشفي سوي بقاء ابنها بيعداً عنها ..


 هي تتبعثر ندماً .. أن يظن أنه هو السبب ..
ترجوني في سؤالها .. أهو السبب ؟؟ .. تريد أن تسمعني أقول لا ؟؟
لتقسم له أن ذاك رأي الطبيب ..

أحببتها .. وأحببته ..
وأحببت القدر معها ..
وانتهت فترة التدريب .. وانا أهواها ..

أزورها يومياً .. نتسامر طويلاً ..


ويوم الزيارة .. يوم تجتمع العائلات .. ويختفي الأطباء.. ذهبت لأراه ..
جميل هو كنجم سينمائي .. غاية في الوسامة .. شديد الرقة ..
عذب البسمة ..

تري ما الذي ذهب بي يومها .. ؟؟
نعم أردت أن تكتمل لدي الصورة


.............................................................................
.....................................................................
................................................................................................
..........................................................................
...........................................................................


يا إلهي .. أو تعرف هي ؟؟
أو يعرف هو ؟؟؟

ما تلك السكينة التي تملؤهما ...
كيف يمتلئان رضا ..
كيف لم يسخطا .. لم يتمردا .. لم يصرخا .. كالمتوقع بالنسبة إلينا ؟؟؟

كي يمتلئ وجهها نضارة بمجرد رؤياه .. وهي تعرف أن عنائها سيبقي به .. وسيزيد بعده .. وأنه قربما يمضي ..

إن الكتابة عن رضا كحالة درس العظام .. سهل للغاية ..

ولكن الصعوبة في مجرد احصاء كم المعاني التي سكبتها في نفسي .. ولا املك لها صياغة .. بل إن محاولة صياغتها افساد قاس لها ..

فقط كل ما يمكن قوله .. أنه قبل أن تحتشد في عقلك الحالات وتلتبس الأسماء .. ويقتل الطب فيك البشري ويحولك إلي مشرط .. أو ميكانيكي بشري .. ويتحول الناس إلي حالات واسماء متلازمات ..
كل ما يمكن قوله أن بالإنغماس مع البشر حتي النخاع .. وبالخروج من حافة الصورة السينمائية إلي عمق الواقع.. نجد ما يؤكد لنا أن هناك ابعاداً في الحياة .. ومعايير أخري للسرور .. وللسعادة .. وللسلام الداخلي ..

معايير أخري للنجاح .. واللذة .. 
معايير أخري للبياض ...

تلك إمرأة .. وكلمات قد لا تعني لقارئ خارجي شيئاً..
ولكنها عنت لي الكثير ..
كل ما أردته أن أدونها .. لأتذكر حين أطالعها يوماً حالة وضعتني فيها رضا ...


لم اشأ أن انخرط أكثر .. لأنني أعلم أن لتلك القصة فصول أخري قد لا يحتملها كيان خارجي ..
فتركتهم يعيشونها وحدهم ..
وأنا أشك .. أني وحدي أعلم .. 
النهاية ....  

 تم حذف أجزاء من النص لأنها يتنافي مع أخلاقيات المهنة "خصوصية المريض"

25/7/2010

السبت، 24 سبتمبر 2011

اذا كنا نموت



إذا كنا نموت .. فما الفائدة ..؟؟!!



لم يجمع الناس علي الإيمان بالآخرة .. بما بعد الموت .. بالباقي ..


ولكنهم أجمعوا علي الإيمان بالموت .. بفناء الدنيا .. بأن لا شيء يبقي ... ولما كان لا شيء يبقي .. فلا شيء يستحق ..





إذن فأنت كمؤمن .. من المفترض أن تكون الأرسخ إيماناً بتلك الحقيقة .. فلديك اليقين الدنيوي الحسي المؤكد بأن الموت قادم لا محالة .. في لحظة ينتهي كل شيء .. يتوقف الزمن .. لايعد لأوراق النقود حتي قيمة الورقة المطبوعة عليها .. فعند الموت لا قيمة ..


عند الموت لا ينفعك التشبث بشئ .. لا ينفعك ضمك لكف أحدهم .. فما من حافة بين الموت والحياة لتتشبث بها ..


الموت بعد آخر .. لاسبيل للمقاومة علي عتبته .. ولو لحظات ..


الموت لحظة ..


إن السكرات قدر آخر .. قدر من الحياة .. لا قدر من الموت ..






الفاني لاقيمة له .. لذا فالأحري أن يؤمن الملحدين بلاجدوي شيء .. بعبثية كل شيء .. فهم لايرون ما بعد الموت شيء .. لذا فليس في تصورهم هناك ما يبقي ..


ياله من تصور قاس .. لاشيء يستحق هنا .. ولاشيء هناك .. فعندهم لاهناك ..


فعقلائهم يتركون الدنيا .. ويلقون العالم .. ويبيعون الكون .. ولكن بلاشيء في الأفق .. يأس وقلق .. مجانية الوجود ..






فما بالك أنت .. أنت أيضا توقن أن لا شيء يستحق هنا .. ولكنك تتصور هناك ما بعد الموت .. حيث كل شيء .. حيث ما يستحق .. وما يبقي ... حيث للأرض ثباتاً تحت اقدامك .. حيث لا تخشي الغد .. بل حيث لاغد .. حيث الكل الآن .. حيث لا ألم .. لا ياس .. لا قلق .. لا خوف .. لا سواد ..


حيث النور يتجلي كيانات وكيانات .. حيث الاتصال بالمطلق .. والسباحة في سرمدية السعادة .. ولانهائية السلام ..






الله اعطي لك الدنيا لتعمر بها الآخرة .. نعمة الوقت .. فرصة للإدخار ..


فلو كانت الدنيا أقل لما استطعت أن تملأ قصورك .. وتعلي درجاتك ..هناك ..


وأنت تستخدمها في بناء عششاً واهية هنا .. وتعلي مكانات زائفة هنا ..


وتسوف التوبة .. وتؤجل العمل إلي وهن الشيخوخة .. ويغرك بالله الغرور .. وتدعي حسن الظن .. ولو أحسنت الظن لأحسنت العمل ...






إن الرباني لا يحيا في الدنيا وقلبه معلق بالآخرة .. فتلك صفة المؤمنين ..


بل هو يحيا في الآخرة مباشرة ..


الدنيا عنده خيال .. وهم .. وزيف .. عالم افتراضي ... تماماً كلعبة الكترونية يختار فيها شخصية ما يعدو ويقفز ويجمع .. هو يعلم أن ماريو لن يفيده بشيء إن وصل القلعة .. ولن يضره بشيء إذا قرصته السلحفاة ..


الدنيا عالم افتراضي خيالي زائف .. ليس فيها من الحقيقة سوي ذكر الله وما والاه كما قال الحبيب ..


فالرباني يعامل الدنيا كما يعامل اللاعب عالم ماريو الخيالي ..


إن كان لابد له من خوضها .. وممارستها .. واقترافها ... فهي في يده باسرها كذراع الأتاري القديم الصغير يملك به الطفل عالم ماريو ثنائي البعد العقيم ...


من لعب ميتال جير .. يزهد في ماريو .. ويضحك علي استمتاعه القديم بها ..


ومن لعب أساسين كريد يزهد في ميتال جير ... وهكذا .. كل بضع سنوات يمنحنا البشريون عوالماً افتراضية جديدة تزهدنا في العوالم الافتراضية القديمة .. تجعلنا نراها عبثاً وحمقاً ,..


تماماً كعوالم الأفلام الابيض والأسود القديمة .. والأكشن العقيم .. نضحك عليه الآن بعدما كانت ترتعد له القلوب حينئذ ..






فمابالك بكون حقيقي يصنعه لك الخالق المبدع الكريم ..


كيف تتضاءل عنده الدنيا .. تتلاشي ..


هذا إن كان مؤقتاً .. فكيف والديمومة قاعدته.. والتأقيت قاعدة اللدنيا ..


ويحك ... لو كانت الآخرة كالدنيا ولكنها تدوم لكانت أحق بالإيثار ..


بل لو كانت الآخرة أقل من الدنيا وتدوم .. لكانت أحق بالإيثار ..


.. فكيف والدنيا لا تساوي فيها شيء ..






بل لو كانت الدنيا تدوم لك ملايين السنين .. والآخرة تدوم لك للأبد السرمدي .. ما لانهاية ...


لكان شراء الآخرة أولي بالقاعدة الرياضية أن نسبة اي عدد إلي مالانهاية تساوي صفر .. ولو كانت بملايين السنين فهي للأخرة صفراً .. فراغاً .. خواءاً ..


فكيف وهي لا تمر لك سوي بضع سنوات تقضي أكثر من ثلثها نائماً ...؟؟!!






الناس نيام .. فإذا ماتوا انتبهوا .. كما يقول المصطفي ..


اتدري ما الدنيا إذن .. هي ذاك الحلم في تلك النومة ..


إنك في حلم الأمس غزوت روما .. وسيطرت علي قصورها .. واستيقظت اليوم لاتجد افطاراً ..


هل افادتك في واقع اليوم .. قصور روما التي غزوتها في حلم الأمس ..


ولن تفيدك في حقيقة الغد بعد الموت .. أعشاش القاهرة التي امتلكتها في حلم الدنيا الزائل ...






لتموتن كما تنامون .. ولتبعثن كما تستيقظون ..


اسأل نفسك دوماً .. إذا كنا نموت فما الفائدة ؟؟






فاعمل لما يبقي ..


لن اقول أكثر .......................................................


الاثنين، 19 سبتمبر 2011

بالأمس كنا ..


كنا أنقياء اكثر  .. كنا شفافين اكثر .. أتقياء أكثر .. ابرياء أكثر ..
كنا فقراء اكثر .. ولكننا كنا لا نعبأ أكثر .. ربما لأننا كنا لا نطلب أكثر ..
كنا نستيقظ من النوم نوقن أن ماهو مأكول اليوم سيؤكل .. وماهو مشروب سيشرب .. وماهو مرزوق سيأتي ..
فكنا نلتفت إلي ما هو لن يفعل إلا إذا فعلناه .. وهي القيام بحق العبودية ..

كنا أقوياء أكثر .. رغم أننا كنا مراهقون أكثر .. 
رغم أننا كنا أصغر سناً .. وأقل بناءاً عضليا .. واقل عشيرة ومكانة .. إلا أننا كنا نتحرش بالمخاطر .. لا نخشي في الله لومة اللائمين ..
كم ارتمينا أمام سيول الفجرة .. لاتهتز أجفاننا .. لا نرمق رمقة .. لا ترتفع حتي اصوات انفاسنا حتي لا يتهم الإسلام بلهاث رجاله ..
الآن حينما اصبحنا أكثر آمنا .. أكبر سنا وحجما ومكانة وعشيرة .. اصبحنا نفكر اكثر ..
والتفكير بضعة من الجبن ..

كنا أعفة أكثر .. رغم أننا كنا نشتهي أكثر ..
اتذكر حين كنا تعرض لنا فتاة تعجبنا .. كنا لا نغض البصر إلي الأرض كما نحاول أن نفعل الآن .. إنما كنا نرفعه إلي السماء .. ونقول لحوراء في الغيب تنتظر .. لحوراء تسجد داعية اللهم اعنه علي دينه .. كنا نبعث لها رسالة وفاء .. قائلا لن نخون .
نعم بالأمس كنا نغض البصر .... إلي أعلي ..
ربما أصبحنا أكثر تحرجا منها ومن السماء .. فنحاول أن نغض إلي الأرض الآن..

كانت همومنا أكبر .. ومشكلاتنا أكثر .. ورغمها كنا نبتسم أكثر ..
فقد كانت هموم الكون همومنا .. ومشكلات الأمة بأسرها مشكلاتنا ..
ولكننا كنا نجد وقتاً للابتسام .. نختلس وقتاً للقهقهة .. نسرق لحظات للدعابة .. من المخبر .. والشرطي .. ورجل الأمن ..

كانت قلوبنا غضة طرية .. كأنها جديدة لم تستخدم بعد ..
فكنا نحب أكثر ..



اتذكر ..

اتذكر فتي عملاقاً كان صديقي .. بل أخي ..
صديقي لدرجة أننا كنا نبكي سوياً علي كلمات أغنية تقول أنه في فؤادي ..
صديقي لدرجة أننا كنا نجلس كل يوم لا نحمل قرشاً واحدا نحلم بيوم زواجنا من صديقتين مثلينا .. في يوم واحد .. تماماً كأحلام الأطفال ..
صديقي نجحنا سويا .. وجاهدنا سويا .. ورسبنا سويا .. وعشقنا سويا .. وسقطنا من ركب الإسلام ..
ومن يومها لم نعد سوياً ..
وكأن الله وحده كان يجمعنا ..

صديقي .. عملنا معاً علي عجلة لبيع الأشرطة كانت تدر علينا ثلاثة جنيهات في اليوم ..
نقسمها علي ثلاثة .. لي واحد .. وله واحد .. وللحلم واحد ..
ربما انتهت صداقتنا يوم أن قسمنا مدخراتنا للحلم بيننا ..
واتذكر ..

واتذكر ..
في نفس ذات الوقت الذي ابحث فيه عن وظيفة اكثر مالا ... الآن ..
 منذ خمس سنوات ..
كنت ابحث عن الشهادة .. في سبيل الله ..
بكرامة اكثر ..
وسلام داخلي اكثر ..

واتذكر ..
في نفس ذات الوقت الذي تضحك فيه علي فيلم سينمائي .. الآن ..
منذ خمس سنوات ..
كنت ابكي علي اعتاب آية ..
بسرور أكثر ..
وفرح قلبي أكثر ..

واتذكر ..
كنت استيقظ من النوم .. لدي ما أحيا لأجله ...
وكنت أذهب إلي النوم .. لدي ما أعيا لأجله ..

كنت أحفظ اذكار النوم كاملة .. ولا اتمكن من اتمام واحد منها ..
لأن النوم كان يومها أقرب ..
واليوم .. يأتي حفنة من السحرة .. يلقون علي تعاويذهم للنوم ..
مع خمسة أشرطة للمنوم ..

ولكن الأرق أكثر ..



واتذكر ..
لم نكن نعبأ بالدنيا .. ولم نكن نكترث للحياة ..
ولكن كان عيشنا أهنأ ....

علي الهامش


هناك أناس يبقون يشاهدون الكون من النوافذ الشفافة ..
ينتظرون دائما أن يحدث شيء ما .. يتغير شيء ما . في الخارج ..
فقط ليشاهدوه ..


اناس يمعنون النظر .. ويقلبون الأمور علي وجوهها .. وأحيانا يخلقون لها وجوهاً جديدة ..
فقط ليقلبوها ..
ينظرون إلي الأمور بعمق .. وعمق ..
ويغوصون .. حتي ربما ينسوا يوماً كيف يصعدون إلي السطح ثانية ..


يزنون البدائل المتاحة .. يزنون ..
وأحيانا يخترعون مكاييل أدق ..
ليستمروا طوال أعمارهم يزنون البدائل ..


يعيشون الحياة ألف مرة .. بأحلام اليقظة ..
ففي الطريق إلي مقابلة ما .. تخرج في أذهانهم ألف ألف سيناريو للمقابلة ..
وقبل الوصول إلي مكان المقابلة .. ومللاً من أالف مقابلة في الطريق .. واعياءاً من كل تلك الأزمنة التي توالدت في أذهانهم ..
يتصلون هاتفياً للاعتذار عن المقابلة ..
عذراً ربما في وقت لاحق ..
أو ربما في خاطرة أخري ..


يعشقون الميكروباص .. والقطار .. والأتوبيسات ..
يحبون أن يجلسوا بجوار النافذة .. يصفعهم الهواء .. فهم يعشقون التفكير علي هذا الإيقاع المنتظم ..
يحنون إلي القديم .. إلي الطفولة .. إلي أماكن العشق الأولي .. وتفتح الذكورة والأنوثة .. وتبرعم الهوي ..


يحتفظون بكل شيء .. فربما احتاجوه في المستقبل ..
وبعد سنوات يلقونه في المهملات .. ربما علي بعد أيام من حاجتهم الفعلية له ..


أنا منهم ..


وهؤلاء خلقوا فقط ليكونوا كتابا..


فلا تحاولوا أن تكونوا غير هذا ...

الأربعاء، 14 سبتمبر 2011

مش مهم





- مش مهم
قالتها بعفوية وتلقائية .. قالتها بشفافية .. قالتها بصدق .. وحق .. .... كل ذاك مشوب ببعض الحسرة .. بل بكثير من الحسرة ..
ذاك كان ردها حين اخبرتها أن الدهان الذي ربما يحسن من شكل حرق ابنتها بعد الالتئام يساوي مئات الجنيهات ..


تلك كانت أسرة فقيرة .. تحيا في حي فقير .. ربما لا يسمع عنه أهل مدينته نفسه .. وربما لا يدري محافظ المدينة عنه شيئاً .. وهناك كانت المستشفي التي أعمل بها يوما في الاسبوع ..
جاءتني بابنتها لغيار تجميلي .. طفلة تسمي جني عمرها لا يتعدي ثلاث سنوات .. بحرق بوجهها وكتفيها وصدرها .. حرق يتجاوز ثلث جسمها .. منذ ثلاثة أيام ..
والسبب كوب من الشاي .. جذبت البنت طرف المفرش فسقط الكوب بلهيبه .. ليشويها الشاي ..


لحظة .. هي لا تساوي من الزمن الكثير .. جزء من الثانية .. لا تملك التحذيرات أن تمنع .. لا تقوي الاحتياطات أن تحد .. ولا يستطيع الطب أن يعيد الزمان ..
لحظة ينزل  بها البلاء .. يتسلل فيها البأس .. بغتة ... مفاجأة .. علي حين غرة من التناسي ..
ينزل ليهز الروتين الدوار .. ويرج ألفة التراتب الحياتي البغيض .. ويصدع رتابة الساقية المتسارعة ..
ينزل ليجبرك علي التوقف .. علي اعادة النظر .. واعادة التقييم ..
ينزل كتنزل الوحي حاملا معه معايير جديدة للأشياء .. ومقاييس حقيقية للأفراد ..


ينزل ليعيد تشكيل أولوياتنا .. ليذكرنا بأنفسنا وبمن نحب .. ليعلمنا أن الموت لحظة .. والمرض لحظة .. والحادثة لحظة .. والعمر بأسره .. لحظة


ينزل ليجعل مئات الجنيهات اللواتي كانت تساوي الكثير والكثير لدي أسرة ما .. لا تساوي شيئا .. في بورصة البلاء ..
البلاء بورصة .. تعيد للأموال حقائقها الورقية .. ورق .. وألوان .. لا شيئ ..
ينزل ليجعلها تقول عن أي ثمن مش مهم ..




البلاء الذي سمعت منه شابا عشرينيا يقول خذوا مني كل شيء وامنحوني ساعة واحدة بلا ألم ..
وفتاة تصرخ .. أفعل ما تريدون .. فقط لأنال ليلة واحدة من نوم هادئ ..
وعجوز يدفع الألاف ليمر بوله من انسداد البروستاتا ..
وأخر ليمر الماء من انسداد بلعومي .. وآخر ليمر الهواء إلي صدره بانسيابية دون أنبوبة بلاستيكية وجهاز معقد .. وسجن سريري ..
البلاء يعيد الحقيقة للأشياء .. يرفع عنها الزيف .. يجردها من التجميلات التسويقية ..


وآخرون يمرون من الدنيا هكذا .. كطيف .. كنسيم عابر .. لا بهم ولاعليهم .. عيشهم كفاف .. وبلاءاتهم خفاف ...
أصلحوا قلوبهم .. فأصلح الله لهم بالهم ..
قنعوا بالقليل .. فوقاهم الله الكثير والكثير ..


كان يقينهم .. أنه ليس كل الرزق منح .. وإنما بعض السلب هو عين العطاء .. وبعض المنع هو ذات المنح ..
وأن ليس كل رزقك ما كسبت وحسب .. وإنما هناك الكثير مما وقاك الله أن يحل عليك كنت لتقول في سبيل رفعه علي الألاف مش مهم ..
اليس ذاك رزقا أيضا ؟؟
هل لك أن تتخيل منته بالعافية مما اصاب غيرك .. وينفق عليه الآلاف وأحيانا الملايين ..
أليست تلك الألاف ادخارات ربانية لك .. منعها عنك .. ومنع عنك أيضا ما تحتاجها من أجله بحق من البلاء ..


" طوبي لمن كان عيشه كفافا وقنعه الله بما آتاه "
"صنائع المعروف تقي مصارع السوء "


"وكان أبوهما صالحا "
ساق الله يوما نبيا وصديقا ليقيما جداراً حتي لا ينكشف كنز فتضيع علي غلامين بعض الأموال .. لأن أباهما كان صالحا ..
أفلا يقيهم ما هو شر من ذلك بصلاح ذاك الأب ..؟؟






اللهم اجعلنا عبيد احسان .. ولا تجعلنا عبيد ابتلاء ..
فبعض الناس لا يستقيم علي طريق الله بغير البلاء ..




بقيت كلمتها ترن في اذني .. تعلمني أني أملك الكثير والكثير .. حتي بما لا أملكه ..
وأن لدي كل منا في حياته ما هو أثمن من أن يتركه ليقفز في ساقية الحياة .. ودوامة السعي الخاوي ..
وان أحيانا بضعة مئات من الجنيهات تساوي :
مش مهم

الثلاثاء، 5 يوليو 2011

شعبان ..

"شهر يغفل عنه الناس بين رجب ورمضان .. ترفع فيه الأعمال إلي الله .. واحب أن يرفع عملي وأنا صائم"




تماماً كنهاية السنة المالية .. شعبان نهاية السنة الإيمانية .. السنة بالتصور الرباني ..


نعم .. السنة الإيمانية الربانية تبدأ برمضان لا بمحرم .. دعك من التأريخ .. والأرقام والسنوات ..


وشعبان هو نهاية السنة الإيمانية ..


حين ترفع الأعمال .. حين يظهر عجز موازاناتنا ... وتتعري قلة زاد التقوي مقابل كثرة متطلبات الفتن ...وندرة موارد الصلاح مقابل مستهلكات الذنوب .. وكثرة الأنفاق بالنعم المتنزلة مع ضعف الاستثمارات بالشكر ..


لولا نفحات ربانية تتغمدنا كقروض .. أو منح تربأ تصدع الموازنة الإيمانية ..


وشعبان .. خواتيم السنة .. حين ترتفع مؤشرات القبول .. فإنما الأعمال بالخواتيم .. وتستعد الدنيا لاحتفالات عيد الميلاد الحقيقي للكون .. وراس السنة الفعلي .. الليلة الأولي من رمضان ...


ففي غمرة استعداد الكون لرمضان ... تكون الطاعة اكثر يسر .. وتناغمية التقوي مع سير الكون بأسره إلي الله أكثر اتساقاً .. والقبول أقرب ...


فاستثمر هذا الشهر يافتي ..


لاتكن غبياُ مثل كل عام .. ومثل كل العوام والأعوام .. لا تري شعبان للدنيا ورمضان للآخرة ..


شعبان هذا هو خواتيم العام .. هو الصفحة الأخيرة في ملف قضيتك المرفوعة في الميزان .. قد ترجح بها الكفة وحده ..


اجعل صيامك فيه .. وقيامك بليله .. وتركيزك .. وحالة التقوي والربانية فيه استشفاعاً واستعتاباً للمولي علي التفريط في عام مضي .. ورفع حالة لنموذج عامك الجديد ..


ادخل شعبان بحالة ... ختام السنة المالية .. وترقيع عجز الموازنة الإيمانية ..


إن دولتك النفسية تحتاج إلي مثل هذا التقشف الشعباني عن العصيان .. وتركيز الاستثمار في بورصة الطاعة .. حتي لا تعلن الإفلاس .. والسقوط حتماً ...


وحين يأتي الأمر للولاية الربانية .. وتصنيف القرب من المولي .. لا ترضي لدولة الإيمان فيك أن تكون من العالم الثالث ..









الثلاثاء، 31 مايو 2011

مكسب .. وخسارة



يتحسس ملامحه ... يدقق في المرآة .. يشعر أنه يفتقد شيئاً ما فيه ..
احيانا نستيقظ من النوم فنشعر أننا قد سرقنا خلسة .. لا نفتقد حلياً أو أموالاً .. نفتقد شيئاً منا ..
نشعر شعور خفي .. أن هناك شيئاً ما فينا .. قد سقط .. اختفي .. سرق .. تلاشي .. 


وهو كان يشعر بذات الشعور لأيام .. ربما لسنوات .. 
يعد أعضاؤه .. هي ذات اليدين بعدد الاصابع المتعارف عليه .. هي ذات الأنف بثقبين مألوفين .. العين بسوادها الاعتيادي ... 
هناك شيئاً ما مفقود ..
ربما في الداخل ..
لا تفلح الأشعة العادية .. والمقطعية والرنين المغناطيسي .. في التعرف علي المفقود ..
وسط اندهاش طبيب الأشعة .. فهي المرة الأولي التي لا يطالب فيها بالبحث عن مرض .. أو عن ورم .. أو عن تكتل جديد .. أو خلل ..
طلب منه فقط أن يعد اعضاؤه .. أن يبحث عن المفقود ..


هو القلب بأذنيه وبطينين .. وذات الصمامات .. 


-  سيدي الطبيب ايمكنك أن تجري لي اختبار الأبوة .. بيني وبين قلبي .. أرجوك تأكد فقط أن ذاك هو قلبي أنا ..
ليس سفاحاً شيطانياً .. ليس لقيط من زنا الغفلة بالضلال .. 


هو هو .. ولكنه لا يشعر بذاته .. يشعر بالغربة عن نفسه ,,,
وكيف يألف الناس من يشعر بغربته عن ذاته .. فالصديق ليس صديقه .. والحبيب ليس حبيبه .. والأبن لا ينتمي إليه ؟؟!!


تري ما الذي سقط مني ؟؟
ومتي سقط ؟؟
ربما اثناء تحضير الماجستير .. 
ربما أثناء شراء السيارة .. 
او تغيير ديكور الشقة .. 
ربما اثناء رحلة السفاري الأخيرة ... أو المخيم الترفيهي ...
ربما أثناء مجادلة حول لا شيء .. 


ترن في أذنيه آية .. وكأنه يفقهها لأول مرة .. فالفهم لا يحصل كما يكون حين تتلبسك الآيات ..
"أولئك الذين خسروا أنفسهم "


خسروا انفسهم .. 


وكأنها مقامرة غبية .. يلعب فيها الأنسان علي موائد الغفلة والخطيئة .. بذاته نفسها .. 
يقامر فيها بنفسه ..
يراهن علي كينونته .. 
يزايد علي سر اسراره ... علي حقيقته .. علي جوهره ...


ويخسر ... 


والنتيجة .. قول المسيح عليه السلام ... "ماذا يفيد الإنسان لو ربح العالم بأسره .. وخسر نفسه "


هو يمتلك كل شيء ... ولكنه لا يحمل ذاتاً لتمتلك .. فهو لا يمتلك ..
لديه كل المتع واللذات .. ولكنه في حالة "اللا ذات " أمام "اللذات " .. فكيف يتلذذ ..
كيف يكون .. حيث لا هو .. 


الخسارة النهائية في مقامرة بلا رجعة هناك فيما بعد عتبة الموت ..
أما هنا .. في الدنيا .. فلم يزل الباب موارباً ..
لم تزل المعركة قائمة ..


نعم يافتي .. ارحل إلي ذاتك .. قاتل من أجل نفسك المسلوبة .. ابحث عن كينونتك المفقودة ...
ولكي تجدها ينبغي أن تسلم ما بعتها به .. ما اشتريته بمثنها .. بفوائده وضريبته ..
ينبغي أن تلقي ذاك العالم .. لتعود إليك نفسك ..


وكأنك تكمل "وماذا قد يضر الإنسان إذا خسر العالم بأسره .. وكسب نفسه "

الأحد، 8 مايو 2011

رضيت .. اكتفيت لا اخترت


رضيت بالله ربا وبالاسلام دينا وبمحمد صلي الله عليه وسلم نبيا ورسولا
من قالها مؤمناً بها ثلاثاً كان حقاً علي الله أن يرضيه

وكنت أقولها .. وارددها ..
احياناً كنت ارددها خاوية من المعني .. حروف جوفاء يتيمة ..
وأحياناً كنت اجتهد واجتهد محاولاً استجماع الفكر فيها .. وتدبرها .. والتلبس بها يقيناً وايماناً علي افوز بالرضا المضمون ..

ولم أكن اعلم أن بمجرد تغيير خارطتك الذهنية .. وموقفك التصوري يتغير مذاق الذكر .. بل يتغير اثره ..
وكأنك لن تدلف إلي معادلة الرضا والترضية إلا بعد أن تتحقق من المعني العميق للذكر ..

وأنا كنت بعيداً عن حمل الذكر المعنوي الرئيسي ..
كنت افرقه .. امزقه ..
اتخيل معناه .. أني رضيت الله ربي .. بالايمان به .. رضا بمعني اختيار الله من بين المعبودات البالية ...
وبالاسلام ديناً .. اختياره من الديانات الغثة .. فلا التفت إلي دين سواه ..
وبمحمد نبياً .. رضيته من بين المثل والقادة .. للاتباع فلا التفت إلي هدي غير هديه ..
وذاك قد يكون معني جيد .. ولكنه من الظلم والسطحية مما يجعل التمركز حوله في ذاك الذكر خطيئة ..

حتي خلع الله علي يوماً مسحة رقيقة من مسحات الرضا بالقضاء .. الرضا بالمساحة الصغيرة من الدنيا .
الرضا بخيارات الله في ذاتي .. وافعال الله في اقداري .. وتصريف الله في متتابعة ايامي ..
الرضا العام الكامل الشامل العميق المبتسم الابيض عن موقفي في الكون بكل ابعاده ..

وحينها وجدت نفسي اردد .. رضيت بالله رباً وبالاسلام ديناً وبمحمد صلي الله عليه وسلم نبياً ورسولاً ..
ولأول مرة لم أجزئه .. لم اقطعه .. لم امزقه .. عشته كلية كاملة .. ووحدة واحدة ..
لأول مرة اذكر الله بذاك الذكر دون خطيئة السطحية ...
لأول مرة اشعر فيه بالحمل المعنوي .. للكفاية ..

نعم بمعني جديد للرضا .. الاكتفاء ..
وكأنني بنظري إلي موقفي في الحياة .. ابحث عما يجعلني ممتناً .. عن اكبر انجازاتي .. عما امتلك علي وجه الحقيقة لا علي وجه الزيف ..
عما افخر به .. عن اشيائي الثمينة حقاً .. عما لا يمكن فعليا الاسغناء عنه ..
عما تهون بجواره الدنيا .. وتستصغر في عينيك بمقارنته حلوها ومرها علي السواء ..
بل قد يتضاءل كل ما سواه امامك فلا تري غيره ..

وليس ذاك إلا لأولئكم الثلاثة ..
الله رباً .. والاسلام ديناً .. ومحمد رسولاً ..
العبودية لله .. والاستدانة بالاسلام .. والاتباع للمصطفي ..
نعم هو اكتفاء بها عن الدنيا بأسرها .. لا اختيار لها عن دونها ..
وكأنك تعلن أنك يكفيك من الدنيا هذا .. يكفيك منة العبودية لله .. والانتماء للاسلام والاتباع للنبي .. مهما كان من الكون موقفك بعدها .. يكفيك هذا ...
أليس الله بكاف عبده ؟؟

بالمصري كده .. انت مش مكفيك ربنا .. ؟؟
مش مكفيك انك علي علاقة به ؟؟ .. مش مكفيك مهما كان اللي بيك .. انك في النهاية عبده ..؟؟

مهما تطاول عليك الكون .. ومهما تثاقل علي كتفيك العالم في اتكاءه .. ومهما اظلمت الدنيا من حولك ..
تحسس ثلاثيتك الرقيقة .. تصبرك .. سلوانك .. تسليتك .. كفايتك ..
(عبوديتك .. انتماءك .. اتباعك) ..  ذاك كفايتك ...

فماذا قد يطلب العبد بعدها ..؟؟
بما قد يضرك القوم .. أيملك أحدهم أن يخرج بستانك من صدرك .. أو يحرق جنات تصورك الراسخ .. أو يعبث بجمالية هيكل الحكمة فيك ..؟؟
بما قد تتألم .. وعين الله ترقب .. وعين اعتقادك ترقب عين الله في مراقبتها .. دون تكييف أو تمثيل .. ؟؟
علام قد تتحسر ولم تفتك من الدنيا لذتها الحقيقية الوحيدة .. مناجاة الله .. والارتماء بين يديه في الليل النائم ..؟؟
ماذا قد تطلب سوي مزيداً من القرب .. ؟؟
فيم قد تطمع سوي في مزيد من الوصال ..؟؟؟

كيف يغرك السائرين حولك ؟؟.. وكيف تزعجك ضوضاء الأحزاب جوارك ؟؟؟.. ولست سوي تابعاً مخلصاً لمتبوع لا يجوز عليه الزيغ اصطفاءاً وتفضلاً ..
كيف قد تغريك طعوم الشياطين ؟؟؟.. ومناعات الربتة النبوية علي صدرك كحواري الاتباع التاسع والعشرين لم تزل خربشاتها تدغدغ خلاياك ...

نعم . نادي . اصرخ في الكون .. زلزل اقدامه .. اسقطه في اتكاءاته بثقله علي كتفك .. وانزعه في بركه بعزمه فوق صدرك .. حين تعلن له أنه لا حاجة لك فيه .. ولا مطمع لك في اشيائه .. ولا بريق يغريك في زيفه ..
فقد رضيت .. واكتفيت ..

وعلمت أن البريق ليس كينونة حقيقية .. إنما انخلاع زائف بلا وجود ..
لم يمسك احد من قبلك الرائحة .. أو اللون .. أو الطعم ..
لا سبيل لاحتجاز تلك العارضات ... والشاري لمثلها دون الجوهر الذي لا قيام لها سوي به هو خاسر لا محالة ..
فكيف بك تقنع بالبريق وتبتاعه دون الذهب الحق ..
وكيف قد تفرح والشيطان قد باعك الرائحة بلا ثمرة ....
فما الدنيا سوي خيالات .. سوي عارض .. سوي رائحة .. وطعم .. ولون .. وبريق ..
 دون حقيقة .. دون جوهر ..
دون بقاء ..
عارض زائل ..

لاشيء لك هنا يافتي .. سوي ثلاثيتك البيضاء .. عبودية وانتماء واتباع ..
"الدنيا ملعونة ملعون ما فيها عدا ذكر الله وما والاه .""

رضيت ربي .. اكتفيت ربي ..
بك .. وبدينك .. وبنبيك ..

"رضيت بالله رباً وبالاسلام دينا وبمحمد صلي الله عليه وسلم نبياً ورسولاً"

السبت، 7 مايو 2011

الحبل البعيد ؟؟!!

احياناً نفيق .. فتؤلمنا الإستفاقة ..
تماما كأوجاع ما بعد التخدير .. وهلوسات الاستفاقة ...
نسمع موعظة ما .. أو نزدري الشكل الحاضر لحياتنا .. فنصرخ بأنفسنا قف ..
حان وقت العودة ..

هنا تدلف الهلوسات .. ولكنك اصبحت بعيداً للغاية .. 
لقد سرت في الغي كثيراً .. وغصت في مستنقعات الضلال عميقاً للغاية .. 
وأصبح نور الشمس بعيداً للغاية ..
وتلك حقاً هلوسة ..

أو باسمها الأدق وسوسة .. وسوسة لاثقال اقدامك عن العدو والارتماء علي باب المولي .. والتمرغ في جنبات العناية القدسية ..
وسوسة يلقيها شيطان ماكر .. تتلقفها نفس كسلي مستمتعة بإباحة الممنوع علي طرقات الغواية ..

وهنا تأتي الحقيقة الغائبة ..
الطريق مهما كان في الغي طويلاً .. فالرجوع إلي طريق الحق دائماً قصير للغاية ..
هو انتقال آني .. ذاك الحلم الذي يداعب خيالات علماء الفيزياء في النقل الفوري للجزيئات من مكان لمكان ..
وكأنك ببساطة تبدل البيئة المحيطة .. لا المنتقل .. 



وهكذا الانتقال من الظلمات إلي النور .. 
إن الأزقة البيضاء المؤدية إلي شارع النور من أحياء الظلام كثيرة للغاية .. وقريبة للغاية .. ومنتشرة للغاية ..\
يافتي ..
لا حاجة للراحة .. ولا داع لاستبطاء المقصد .. أو استثقال المسافات ..
فحين يكون السير إلي الله فلا حكم لقوانين المساحة .. ولا سيادة هنا لجغرافيا المسافات .. أو لفيزياء الانتقالات ...وميكانيكا الحركة ..



ألم تسمع عن ذاك التائب تقترب به الأرض إلي النور .. وتتمدد مسافات الظلمات ورائه .. ولم يفعل حسنة واحدة في عمره .. سوي أنه قد سار بقلبه نحو ربه ..
وذاك الذي يحدث نفسه بالسير .. "إن أتاني يمشي أتيته هرولة "
من تقرب مني شبراً تقربت منه ذراعاً ..ومن تقرب مني ذراعاً تقربت منه باعاً ..
نعم فأنت لا تسير وحدك .. مقصدك يافتي ليس ساكناً في انتظارك ..
هو يعدو نحوك _دون تكييف أو تمثيل _ وبقدرته يزيد انطلاقك .. يجذبك .. يدنو .. ويدنيك ..

فكيف تحكم بقوانين المسافات الخرقاء .. وكيف تلتفت إلي فيزيائية التناسب العقيم .. 


يافتي خطوة بالشبر نحو الله تعادل ذراعاً وشبر نقصاً في مسافات الضياع .. والله يضاعف لمن يشاء ..
ذاك في قانون الخطوات ..
أما في قانون الاتيان .. قاون الانجذاب .. قانون السير .. فلا حدود هنا .. ولا قواعد هنا ..

السير سير القلب ..
أحياناً مجرد خطرة .. أو فكرة .. أو لمحة .. أو دمعة .. تختصر مسافات الغرق .. وتحمل الشمس إليك بدلاً من أن تحمل نفسك إليها ..


يافتي .. 
ولقد خلقنا الانسان ونعلم ماتوسوس به نفسه ونحن أقرب إليه من حبل الوريد ..
وحبل الوريد ..
هو الحبل الذمختص بالواردات .. الحسية والحركية والمعلوماتية بل والدموية الرئيسية ..
الحبل الشوكي في افضل التفسيرات ..
ذاك الحبل الذي يجعلك تسحب يديك لحظة مس شيئ ساخن .. حتي لا تصاب بالحرق ..

جزء من الثانية ..
سرعة انتقال للمعلومات والاحاسيس لا مثيل لها في الأكوان ..
اتعلم تلك السرعات .. وذاك المكان المتوسط في ذاتك ..
بل هو ذاتك ذاتها .. فهو يصنع عقلك بالأعلي .. وأعصابك بالأسفل ..


هنا ..
الله اقرب ..

اتدري .. يافتي .. 
ساصمت الآن ..

لست بعيداً ..
فقبل أن تخرج الكلمة الآتية من عقلك إلي اصابعك لتكتبها ..
وقبل أن تتماثل لعينيك فتقرآها ..

الله اقرب منها ..
الله اقرب من كلمة ..

الله ...

الجمعة، 22 أبريل 2011

هكذا علمني الفأر ..


هي يد الله تعمل .. وحكمة الله تتجاوز المنطقيات ..
"ومن حيث لا يحتسب .. يأتي الرزق .. و"من حيث لم يحتسبوا " آتاهم الله بالعذاب ..
فليقف العقل عند حدوده .. ولتحجم العقلانية عن هوة الغيب .. وليصمت التدبير والتخطيط أمام صدي الأقدار ..

هو الله .. حين يريد أن يرسل رسائله .. وما يعلم جنود ربك إلا هو ..

فأر صغير .. رمادي .. غائر العينين .. حمل رسائل القدر خمسة ايام متتالية إلي بيتي ..

فأر صغير استطاع أن يقلب البيت رأساً علي عقب .. ويقلب راس أهل البيت ويدفعهم نحو إعادة الحسابات الإيمانية ..
فأر صغير قد لا يتجاوز طوله العشرين سنتميتراً ووزنه بضعة عشر جراما .. استطاع أن يهز تكتلات لحمية متأنسنة هزات افاقة قد لايصنعها زلازل بقوة ذات الطول علي ريختر ..

من حيث لا نحتسب .. دخل بيتنا بالدور الخامس ... مع كل احتياطاتنا التحصينية .. ولكنها رسائل الله التي يحملها الشهيد .. تخترق الحجب ..
ومن حيث لا نحتسب ظهر علي غفلتنا .. طرئ علي اعتيادنا الروتين اليومي .. قفز علي ألفتنا حياة الأرض .. ودوامة الأرض .. وساقية الأرض ..
من حيث لا نحتسب خرج ليقلب ليل التناسي يقظة .. فربما قد لا يفلح منادي الفجر في افاقتك .. فيفيقك فأر يأكل دولابك .. أو اوراقك الثمينة ..
لتعيد هنا ترتيب حساباتك .. حينما تلمح تلك اليقظة في عينيك .. رغم أنك لم تذهب للفراش إلا منذ ساعتين .. ولكن أيقظك الفأر .. واقلقتك أشيائك .. وشعرت بعدم الارتياح في النوم بجوار كيان صغير كهذا ..
تعيد ترتيب حساباتك .. ايهما اثمن .. أوراقك أم مرضات مولاك ..
خشب الفراش المتآكل ... أم آيات القرآن المتفلتة من صدرك ..

لماذا استيقظت الآن يا فتي .. بل وقبل موعد الآذان بساعة ..
يا إلهي .. أهو جوف الليل الغابر ..
أهو وقت السحر ..
لماذا أصبحت تشعر أن السحر هذا هو للفارغين والعاطلين ..
ولماذا اصبح عمل الصباح في منطقة ما بغيضة من النفس أكثر أهمية واعلي اولوية من ناشئة الليل ..
رغم أنها بضمان الصانع .. اشد وطأة وأقوم قيلا ..
وما أمر بها إلا أولئك الذين لهم .. "في النهار سبحاً طويلاً "

هكذا علمني الفأر يوماً .. أنك قد تستيقظ لمصيبة .. أو لجائزة .. قبل الفجر ..
ولكن تثقل عن القيام للدخول علي مالك الأرض والسموات المنادي بالسحر .. لبيك ..
والمنادي بالصبح .. الصلاة خير من النوم .. وفعل النوم فيك يكذب نداءه ..
تلك رسالته الأولي ..
فقد كان لقائي به قبيل الفجر بدقائق .. بتقدير رباني ..

وعلمني التواضع ..
يأيها الإنسان  ... بحلته الأنيقة .. وكلماته المنمقة .. ومكانته .. و .... و....
قيمتك عند نفسك احياناً تهرب منك .. تنمو سرطانيا .. تتعملق علي حين غفلة من انكسار للمولي ..
تتعاظم .. تكبر في مرايا الصدور صورتها .. فنظنها حقيقتها ..
ننخدع حيناً بثناء جميل .. أو مجاملة ما .. تصعد علي اكتاف المديح اقزام الصورة الذاتية ..
ثم يأتي فأر يقلق نومك .. يدلف إلي حلمك .. تصرخ منه زوجك في الفراش فينغص عليك راحتك ..
يعدو وراء .. وخلف .. وداخل .. وتحت .. وتكاد تصرخ في مطاردته جهدا ..

تشتري سموماً بمئات الجنيهات .. مصائد ذهبية ملونة .. ألصقة مستوردة ..
تتفذلك في وضع الماريفان علي الخيار عله يصيبه بنزيف في المخ ..
وهو لا يأكل المسموم وينتقي اطايب الطعام كشيف سويسري .. ويدخل ويخرج من المصيدة كسجين ألكاتراز السينمائي ..
يمنعك من أكل فواكه سفرتك المستوردة تقززاً .. ويمنعك من التلذذ بطهي متكلف متنمق ..
يجبرك علي سندوتشات الفلافل خارج البيت ... فهو لم يمر عليها .. بأقدامه الخماسية المقيئة ..
وربما مر عليها غيره ..

فأر صغير .. بمعني اقرب .. يستوطن بيتك .. يحتلك .. ويطردك .. ولم تزل في بيتك ..

تماماً كالنمرود الذي ملك الأرض .. ودخلت ذبابة اذنه واستوطنت أم راسه .. فما يستريح حتي يضرب علي راسه بالنعال من طنينها الداخلي ..
ياللأنسان الصغير الضعيف ..  نملة علي طبلة الأذن تجعله يصرخ في عيادة الأنف وأذن المجاورة ..
وشوكة سمك صغيرة في الحلق منبتة تحتاج منظار وتخدير ..
وحرقان بوله يبكيه ..
وانسداد انفه بمخاط الانفلونزا يشيطه غضباً ..
ولم يزل رغم كل هذا الضعف المتكوم بشراً يتجرأ علي الله بالعصيان .. وكأنه يقوي علي النار ..!! .. أو ذرة من غضب القهار ...!!!

وتلك رسالته الثانية .. تواضع قبل أن تجبر علي الذل

وعلمني .. أنه ما اصابك من شيء إلا بذنب أذنبته ..
قال الفضيل بن عياض رحمه الله : إني لأعرف أثر ذنبي في خلق امرأتي ودابتي وفأرة بيتي ..

نعم ذكر الفار بالنص ..
بالذنب دخل .. وبالذنوب من السموم كان يحذر .. وذنوبك كانت خرائط هروبه في بيتك .. وذنوبك كانت مفتاح المصائد المغلقة ..
وذنوبك هي ما أرققك فعلاً ..
هي ذبابة رأسك الفعلية .. وقطيع جرذانك الجائع الذي يلتهمك ..
ولا مبيد لها سوي توبة ..

علمني الفأر أن أتوب ,,
وعلمني ايضاً أنه أحياناً قد لا تكفي التوبة لرفع البلاء ..
وأن بلاء وقع بذنب .. قد لا ترفعه التوبة ..
وإنما يرفعه عمل صالح بثقل الذنب بعد التوبة ..
وتلك كانت رسالته الثالثة ..

وعلمني ايضاً بذات النقطة أن استبشر ببلاء الذنوب ... فذاك خير ..
فإذا أراد الله بعبد خير عجل له العقوبة في الدنيا ...
"ولنذيقنهم من العذاب الأدني دون العذاب الأكبر لعلهم يرجعون "


وأن ذاك تكفيراً للذنوب .. وتصفية من سواد القلوب ..
"حتي الشوكة يشاكها المؤمن يكفر بها من سيئاته "



وعلمني ايضاً .. أنه ما من شيء في الحياة يساوي راحة البال ,, وما السعادة إلا مرادف اصلاح البال ..

وكثير وكثير من الرسائل اللالفظية قد حملها لي الفأر الشهيد ..  قد لا افطن لأثرها المباشر ولكني اعلم انه قد حصل لي في الداخل الكثير ..

وربما كان فأراً له من الأثر علي القلب ما يفوق ألف واعظ ..

جزاك الله خيراً عني أيها الفأر .. الذي لم يجازي علي إحيائي .. سوي بقتله ...

سلام يا مشمش ...